نساء يحولن الخيام والمساكن المؤقتة إلى مساحات مرتبة وجميلة لمواجهة قسوة النزوح
لم تستسلم كثير من النساء السوريات لظروف النزوح القاسية والعيش في مساكن مؤقتة تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة، بل سعين إلى تحسينها وجعلها أكثر ملاءمة للعيش، من خلال ترتيبها وتزيينها، في محاولة لإضفاء مظهر مريح يساعد على توفير قدر من الشعور بالأمان والاستقرار لأفراد الأسرة.
في مخيمات شمالي غربي سوريا، توجد خيام وكرفانات وغيرها من المساكن المؤقتة التي تلفت الانتباه بترتيب الأغراض داخلها بعناية وتزيينها بلمسات بسيطة، ما يعكس ذوق صاحباتها وأناقتهن رغم ظروف النزوح القاسية.
في هذا السياق، تقول ربى رزوق، نازحة مقيمة في مخيم ببلدة دير حسان بريف إدلب الشمالي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إنه خلال فترة النزوح اشترى زوجها منزلاً مسقوفاً بشادر، مكوناً من غرفة صغيرة مع مطبخ، وتلفت إلى أن الجميع كانوا يعتقدون أنه لا يمكن العيش فيها.
تضيف أنه قبل الانتقال إليها قام زوجها بدهان الجدران بينما نظفت هي المكان بعناية، وأضافت لمساتها الخاصة بشراء ملصقات على شكل قلوب ملونة ووضعها على الجدران، وتركيب رفوف خشبية وضعت عليها مصحفاً ومزهرية، وتغطية الشباك بستارة بيضاء مع خيوط مذهبة، وفي كل زاوية وضعت باقة ورد اصطناعية تربط بينها بخيوط زينة، مؤكدة أنه بعد الانتهاء من ترتيب المكان لم يصدق أحد أنه نفس المنزل.
عادة ما تتوجه النساء لشراء أدوات التنظيف ومستلزمات الزينة والورود الاصطناعية والإكسسوارات بجميع أنواعها من الأسواق الشعبية التي تقام أسبوعيًا في المخيمات، حيث تعرض البسطات مجموعة واسعة من البضائع بأسعار مناسبة، لتتمكن من تجهيز مساكنهن المؤقتة وترتيبها بشكل لائق.
لم تقتصر جهود النساء على ترتيب وتزيين المساكن المؤقتة، بل امتدت لتشمل زراعة نباتات متنوعة حولها لإضفاء جمالية وحيوية أكبر، مثل الحبق والياسمين والورد الجوري والقرنفل وعطر الليل وغيرها، التي تضيف رائحة عطرية منعشة تساعد على تحسين المزاج وتخفيف شعور التوتر.
كما تتجاوز فائدة هذه المزروعات الشكل والجمال، فهي تساعد على تحسين جودة الهواء وإضفاء شعور بالانتعاش، كما تعمل رائحتها الطبيعية على تهدئة الأعصاب، ما يجعل البيئة المحيطة أكثر راحة وملاءمة للحياة اليومية.
ويشير هذا السلوك إلى دوافع عدة، أبرزها شغف النساء بالنظافة والتنسيق، ورغبتهن في الحفاظ على صورة العائلة أمام الضيوف، وإدراكهن أن المكان المرتب يعزز الشعور بالراحة النفسية، إضافة إلى السعي لتوفير شعور بالاستقرار والأمان لأفراد الأسرة، كما أن هذه الممارسات تساهم في ترسيخ القيم الاجتماعية التي تربط بين نظافة المنزل وشخصية ربة المنزل.
ويعكس ترتيب المساكن المؤقتة آثاراً إيجابية واسعة، حيث يقلل من شعور التوتر وتحسين المزاج العام للأسرة، كما تمنح الأطفال إحساساً أكبر بالاستقرار النفسي، إلى جانب نشر سلوكيات إيجابية في الأوساط المحيطة، إذ تشكّل النساء في كثير من الأحيان نموذجاً يُحتذى به، ما يدفع عائلات أخرى إلى الاهتمام بترتيب خيامها وتحسينها، ويخلق أحياناً نوعاً من المنافسة الإيجابية التي تدفع الجميع إلى الحفاظ على نظافة مساكنهم ومظهرها أمام الجيران والزوار.
يؤكد أخصائيون أن هذه الممارسات تندرج ضمن الأساليب التي يعتمدها النازحون لتحسين نوعية حياتهم النفسية والاجتماعية داخل المخيمات، إذ تُظهر أبحاث في علم النفس الاجتماعي أن محاولة ترتيب وتحسين البيئة المحيطة، حتى وإن كانت خيمة أو كرفاناً، تُعد من أشكال التكيف مع النزوح والصدمات، لأنها تمنح الفرد إحساساً بالسيطرة على جزء من حياته وتساعد في الحد من التوتر المزمن.
وتحمل هذه المبادرات دلالات رمزية عدة، أبرزها قدرة النساء السوريات على مواجهة الظروف القاسية والتكيف مع الواقع والموارد المتاحة دون الاستسلام، إلى جانب حرصهن على رعاية أسرهن والسعي إلى توفير أجواء من الاستقرار داخل المساكن المؤقتة.
وتسهم هذه الجهود في خلق بيئة نظيفة ومريحة بصرياً تنعكس إيجاباً على مزاج أفراد الأسرة وتمنحهم شعوراً أكبر بالراحة والطمأنينة، كما تعكس في الوقت ذاته ارتباط الترتيب والأناقة بالهوية الشخصية والثقافة الاجتماعية، وهو سلوك يستمر حتى مع تراجع الإمكانيات إلى الحد الأدنى.