كيف تصنع العيدية وعي الطفل المالي وتؤثر في سلوكه؟
تُعدّ العيدية من أبرز المظاهر المرتبطة بالأعياد، سواء في عيد الأضحى أو عيد الفطر، وينتظرها الأطفال عادةً بفرح كبير، إذ يحصلون عليها من الأهل والأقارب وأصدقاء العائلة خلال الزيارات والمعايدات، ولا يرتبط حضورها بقيمتها المادية فقط، بل بما تتركه من أثر نفسي لدى الطفل، خاصة أنها تشكّل جزءاً من أجواء العيد وتجربته الاجتماعية، ما يفتح الباب للحديث عن تأثيرها التربوي وانعكاسها على سلوك الأطفال وطريقة تعاملهم معها.
وفي هذا السياق، قالت هيفين هوري، المرشدة النفسية والاختصاصية في مجال الطفولة والأسرة، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن العيدية تحمل أهمية خاصة لدى الأطفال، لأنها ترتبط لديهم بمشاعر الاهتمام والفرح خلال العيد، مشيرةً إلى أن الطفل يشعر من خلالها بأنه حاضر ضمن أجواء العائلة والتجمعات الاجتماعية، ولفتت إلى أن هذا التصرف يساهم في تعزيز شعور الطفل بالتقدير والانتماء داخل محيطه الأسري.
وأوضحت أن الطفل في سنواته الأولى يحتاج إلى مؤشرات ملموسة تدل على مكانته، فعندما يتلقى العيدية يتشكل لديه ارتباط بين هذا السلوك ومشاعر الدفء الأسري والاحتفال الجماعي، فيترسخ في ذاكرته أن هناك لحظات خاصة يُحتفى به فيها.
وأكدت أن هذا الارتباط يساهم في بناء صورة إيجابية عن ذاته، ويعزز لديه الثقة بأن وجوده له قيمة عند الآخرين، منوهةً إلى أن مثل هذه الخبرات تدعم النمو العاطفي والاجتماعي، خاصة أنها تمنحه إحساساً بالأمان الداخلي وتساعده على تطوير علاقات أكثر استقراراً مع محيطه.
وذكرت أن العيدية تصبح بهذا الشكل عاملاً نفسياً مهماً في تكوين الذاكرة العاطفية للطفل، وتترك أثراً طويل الأمد في شعوره بالاحتواء والارتباط بالأسرة والبيئة الاجتماعية التي ينتمي إليها، مما يعزز لديه الإحساس بالاستقرار النفسي ويغذي تطوره العاطفي والاجتماعي بشكل متوازن.
وأشارت إلى أن العيدية تمنح الطفل تجربة أولية في التعامل مع المال، وهي تجربة تحمل أبعاداً نفسية عميقة لا تقتصر على جانب الإنفاق أو الادخار، موضحةً أن الطفل يحتاج إلى مواقف عملية تساعده على اختبار قدرته في اتخاذ قرارات صغيرة، وأن العيدية توفر له هذا المجال بشكل طبيعي ومبهج، وأضافت أنه عندما يقرر الطفل كيفية استخدام المبلغ الذي حصل عليه، يبدأ في إدراك قدرته على التحكم في اختياراته، وهو ما يعزز لديه الشعور بالكفاءة الذاتية ويغذي الثقة بالنفس.
وبيّنت أن هذا النوع من الخبرات يسهم في بناء شخصية أكثر استقلالية من الناحية النفسية، حيث يتعلم الطفل أن قراراته لها أثر مباشر على حياته اليومية، كما أفادت بأن ذلك يساهم في تعزيز النمو الاجتماعي، إذ يتفاعل الطفل مع محيطه من خلال مشاركة أفكاره حول ما يرغب بشرائه أو ما يود الاحتفاظ به، مما يعزز التواصل الأسري ويمنحه شعوراً بأن رأيه مسموع ومعتبر.
وأضافت أنه يمكن للأهل تقديم نماذج عملية تساعد الطفل على تنظيم ما يحصل عليه من مال، مثل تشجيعه على تقسيم المبلغ بين شراء شيء يرغب به، والاحتفاظ بجزء للادخار، والمساهمة بجزء صغير في عمل خيري، مشيرةً إلى أن الطفل بهذه الطريقة يتعلم أن المال وسيلة للتوازن بين المتعة والواجب الاجتماعي.
وذكرت المرشدة النفسية في تصريح خاص لـ شام، أنه مع تكرار هذه التجربة في كل عيد، تتشكل لدى الطفل ذاكرة عاطفية إيجابية تربط بين العيدية والإحساس بالقدرة على اتخاذ القرار، مما يرسخ في داخله صورة أكثر نضجاً عن ذاته.
ونوهت إلى أهمية أن تُقدَّم العيدية بروح المحبة والاحتفاء، وأن يُترك للطفل مجال للتجربة والتعلم، وأضافت أنه يمكن للأهل مرافقة الطفل في اختياراته دون فرض مباشر، واستخدام الحوار لتوضيح معاني الإنفاق والادخار بأسلوب مبسط يناسب عمره، مؤكدةً أن هذا النهج يرسخ علاقة قائمة على الثقة ويعزز التواصل الأسري.
وحذّرت من أن استخدام العيدية كوسيلة مشروطة قد يؤدي إلى نتائج سلبية، إذ يشعر الطفل أن قيمته الشخصية مرتبطة بأدائه أو طاعته فقط، وأوضحت أن هذا الأسلوب يضعف الدافع الداخلي ويخلق توتراً في العلاقة بين الأهل والطفل، كما قد يزرع لديه شعوراً بالحرمان أو المقارنة مع الآخرين.
ولفتت إلى أنه، وخاصة في البيئة السورية حيث يتأثر الأطفال بالضغوط الاجتماعية والاقتصادية، يصبح من الضروري تجنب هذا الأسلوب حتى لا ينعكس سلباً على نموهم النفسي.
وأكدت على أهمية أن يتعامل الأهل مع العيدية كرمز للمحبة والاهتمام، لما تحمله من دلالة وجدانية تعكس مكانة الطفل داخل الأسرة، مشيرةً إلى أن هذا الفهم يساهم في تقديمها للطفل بطريقة إيجابية وهادئة، بعيدًا عن أي شعور بالضغط أو التوجيه القسري.
وأضافت أن الحوار مع الطفل يعد وسيلة أساسية لتوضيح معنى الادخار والإنفاق، حيث يمكن للأهل أن يشرحوا بأسلوب مبسط كيف يُستخدم المال في تلبية الحاجات وتنظيم الحياة اليومية، مبينةً أن هذا الحوار يفتح أمام الطفل مجالاً لفهم المال كأداة للتوازن بين الرغبات والواجبات.
كما شددت على أن تشجيع الطفل على اتخاذ قرارات صغيرة يعزز ثقته بنفسه، مثل اختيار شراء كتاب أو لعبة، مع متابعة غير مباشرة من الأهل لضمان بقاء التجربة في إطار تربوي صحي، موضحةً أن هذا الأسلوب يرسخ لديه الشعور بالمسؤولية ويغذي استقلاليته تدريجياً.
وذكرت أنه يمكن أيضاً إشراك الطفل في أنشطة عملية، مثل استخدام دفتر صغير يسجل فيه ما أنفقه وما ادخره، مما يساعده على رؤية أثر قراراته بشكل ملموس، ويغرس في داخله عادة التنظيم ويمنحه وعياً مبكراً بقيمة المال.
وأكدت على أن المال وسيلة لتنظيم الحياة اليومية، وأن الهدف من العيدية هو تعزيز النمو النفسي والاجتماعي للطفل، لافتةً إلى أن هذا الأسلوب يجعل من العيدية تجربة تربوية متكاملة تدعم الطفل في بناء شخصية متوازنة قادرة على مواجهة تحديات المستقبل.
وتُعدّ العيدية التي يتلقاها الأطفال في العيد لفتة بسيطة تحمل طابعاً جميلاً يرتبط بأجواء الاحتفال، كما تمنح الطفل فرصة للتعامل مع المال بشكل مباشر، من خلال تحديد كيفية إنفاقه سواء على احتياجاته أو رغباته، أو الاحتفاظ بجزء منه، ما يساهم، بحسب خبراء، بشكل تدريجي في تعوّده على فكرة الادخار وتنظيم المصروف.