فهم الاضطرابات النفسية: من العلامات الأولى إلى طرق الدعم
في ضوء ما تشهده بعض المجتمعات من حوادث مؤلمة وتداعيات إنسانية قاسية، تبرز في عدد من الحالات عوامل مرتبطة باضطرابات نفسية لم تُلاحظ مبكراً أو لم تُعالج بالشكل المناسب، ما يسلّط الضوء على أهمية الانتباه لهذه القضايا والتعامل معها بجدية.
وفي هذا الإطار، تزداد الحاجة إلى التعرف على العلامات المبكرة للاضطرابات النفسية، وفهم أساليب التعامل الصحيح معها داخل الأسرة والمحيط، إلى جانب إدراك ما قد يترتب على إهمالها من نتائج سلبية.
قال الدكتور غزوان بويضاني، خريج كلية الطب البشري في جامعة دمشق ومختص بالاختصاص النفسي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن العلامات المبكرة لاضطراب نفسي تتمثل في تغير ملحوظ في النوم، سواء على شكل أرق أو نوم مفرط، إلى جانب الانسحاب الاجتماعي، وتقلب المزاج الحاد، والإهمال في النظافة، فضلاً عن الهلاوس مثل سماع أصوات، أو وجود أفكار غريبة، أو تراجع الأداء في العمل أو الدراسة.
وأشار إلى أن كيفية تعامل الأسرة الصحيح تقوم على تعلمهم عن المرض، والتواصل بهدوء مع المريض والاستماع دون حكم، مع تشجيع الاستقلالية بقدر الإمكان، ومواجهة الأعراض فقط دون المساس بالشخصية، إضافة إلى الاهتمام بأنفسهم لتقديم دعم مستدام، والتعاون مع الطبيب كفريق.
ونوه إلى أن الأخطاء الشائعة تشمل اللوم أو النقد، واستخدام عبارات دارجة مثل "تمالك نفسك" أو "شد حيلك"، إلى جانب إخفاء المرض خوفاً من الوصمة، والحماية الزائدة أو التهميش، وكذلك إيقاف الدواء دون استشارة الطبيب.
وبين أن إقناع المريض الرافض للعلاج يتطلب تجنب الجدال، والتعبير عن القلق بحب مثل "أنا خائف عليك"، مع ربط العلاج بأمر محبوب لديه كتحسين النوم أو الطاقة، واقتراح الذهاب إلى "استشارة عامة" أو إلى اختصاصي موثوق، مع تقديم خيارين، ووضع حد أقصى للانتظار إن كان هناك خطر.
ولفت إلى أن دور المحيط من الأصدقاء والمجتمع يتجلى في جانب داعم يتمثل في التوعية، وإدماج المريض، والتحدث بلطف، والإبلاغ عن أي تدهور للأسرة، إلى جانب تأثير آخر يتمثل في أن النظرة السلبية تزيد العزلة، وأن الوصمة تمنع طلب المساعدة.
وذكر أن مخاطر إهمال الحالة النفسية تتضمن تدهوراً حاداً في الصحة الجسدية، وتفاقم الأعراض، وفقدان الوظيفة والعلاقات، إضافة إلى إدمان الكحول أو المخدرات، أو إيذاء النفس، أو الوصول إلى الانتحار، ولفت إلى أن العلاج المبكر يحمي الدماغ ويُحسّن فرص التعافي.
وفي سياق متصل، كانت الدكتورة إيمان تللو، طبيبة بشرية خريجة جامعة حلب، اختصاص طب نفسي، أكدت في تصريح سابق لـ شام أن الصحة النفسية تُعد حجر الزاوية في قدرة الإنسان على إعادة بناء حياته بعد الكوارث.
وأضافت أن أهمية الصحة النفسية بعد النزوح والفقد تكمن في استعادة التوازن؛ فهي المحرك الذي يسمح للفرد بالعمل، ورعاية أسرته، والتكيف مع البيئة الجديدة، مشيرةً إلى أنه بدونها يتحول الألم من جرح عابر إلى إعاقة تمنع الاستمرار في الحياة.
وأشارت إلى أن التجارب القاسية تؤدي غالباً إلى ما يُعرف بصدمات الفقد والنزوح، والتي تظهر في أشكال متعددة، منها فقدان الشعور بالأمان والانتماء، واضطراب الهوية، وطرح تساؤلات مثل: من أنا بعد خسارة منزلي وعملي؟، إضافة إلى الشعور بالذنب أو ما يُعرف بعقدة الناجي.
ولفتت إلى أن من أسباب تردد الأهالي في طلب المساعدة الخوف من "الوصمة"، أي الاعتقاد الخاطئ بأن العلاج النفسي مخصص فقط لحالات "الجنون"، إلى جانب ثقافة الصبر التي تربط المعاناة النفسية بضعف الإيمان أو قلة الصبر، مما يجعل الشكوى تبدو تذمراً، فضلاً عن الجهل بالبدائل وعدم معرفة وجود تخصصات تتعامل مع الصدمات، وليس فقط الأمراض العقلية المزمنة.
وبيّنت أن من أسباب إنكار أهمية الجانب النفسي أيضاً الأولويات المادية، إذ ينشغل الناس بتأمين المأكل والمأوى، ويعتبرون الصحة النفسية ترفاً، إضافة إلى آليات الدفاع، حيث يُعد الإنكار وسيلة لا شعورية للهروب من مواجهة الألم العميق الذي قد لا يطيقه الشخص.
ونوهت إلى أن إهمال الجانب النفسي يؤدي إلى تداعيات عدة، منها تحول الألم النفسي إلى أعراض جسدية مثل الصداع المزمن وآلام الظهر والقرحة، إضافة إلى تفكك الروابط الأسرية نتيجة العصبية المفرطة أو الانعزال، فضلاً عن توارث الصدمات عبر الأجيال من خلال انتقال القلق من الآباء إلى الأبناء.
وذكرت أن هناك علامات تستوجب مراجعة المختص، من بينها اضطرابات النوم والشهية المستمرة لأكثر من أسبوعين، ونوبات الغضب أو البكاء غير المبرر، والانعزال الاجتماعي التام، وفقدان الشغف بما كان ممتعاً، إضافة إلى تراود أفكار إيذاء النفس أو الشعور باليأس المطبق من المستقبل.
وتحدثت عن سبل تعزيز الوعي في سوريا، مشيرة إلى أهمية عرض نماذج واقعية لقصص نجاح لأشخاص تجاوزوا الصدمات بمساعدة نفسية، ودمج التوعية بمفاهيم الصحة النفسية ضمن المبادرات الإغاثية والتعليمية، إلى جانب تغيير المصطلحات باستخدام عبارات مثل "دعم الصمود" أو "تفريغ الضغوط" بدلاً من "علاج نفسي" لتقليل الحساسية المجتمعية.
وقدمت تللو مجموعة من النصائح العملية للاهتمام بالصحة النفسية، منها قبول المشاعر، والتأكيد على أن الحزن والقلق بعد الكوارث رد فعل طبيعي لظرف غير طبيعي، إضافة إلى أهمية خلق روتين يومي بسيط يعيد الشعور بالسيطرة، وتعزيز التواصل الاجتماعي مع المقربين، فضلاً عن التوثيق من خلال الكتابة أو التدوين، لما له من دور في مساعدة العقل على ترتيب أحداث الصدمة ومعالجتها تدريجياً.
ترتبط الصحة النفسية بحياة الإنسان اليومية، وبقدرته على الاستمرار والتكيف مع ما يمرّ به من ظروف وتجارب، وتشمل هذه الجوانب ما يتعلق بالعلامات المبكرة للاضطرابات، وأساليب التعامل داخل الأسرة والمحيط، إضافة إلى تأثير الظروف القاسية، وما قد ينجم عن إهمالها من تداعيات على الفرد وعلاقاته.