عيد الفطر بين الواقع الرقمي واللقاءات المباشرة في سوريا
عيد الفطر بين الواقع الرقمي واللقاءات المباشرة في سوريا
● مجتمع ٢٢ مارس ٢٠٢٦

عيد الفطر بين الواقع الرقمي واللقاءات المباشرة في سوريا

تركت التكنولوجيا ومنصات التواصل الاجتماعي أثراً واضحاً في تفاصيل الحياة اليومية في سوريا، ولم يقتصر تأثيرها على مجالات العمل والتواصل فحسب، بل امتدّ ليشمل المناسبات الاجتماعية والدينية، ومنها عيد الفطر، حيث أثرت في طرق استقباله وإحياء طقوسه، وجعلت الاتصال بين الأهل والأصدقاء أسرع وأكثر تنوعاً عبر الوسائط الرقمية.

وفي هذا السياق، تضجّ الهواتف المحمولة خلال أيام العيد بسيل من رسائل التهنئة، بين تسجيلات صوتية وعبارات مكتوبة وصور ومقاطع فيديو للمعايدات، إلى حدٍّ قد يعجز معه البعض عن الرد على جميعها في وقت واحد، لتصبح هذه الوسائل الرقمية أبرز طرق التهاني خلال العيد، مقدّمة ببعض الحالات بديلاً افتراضياً للقاءات المباشرة التي اعتاد عليها السوريون لعقود.

طقوس العيد قديماً

ويبرز هذا التحول الفارق بين ممارسات العيد قديماً وحديثاً، إذ ارتبطت الأعياد في سوريا بطقوس اجتماعية تقليدية قائمة على اللقاءات المباشرة وتبادل التهاني وجهاً لوجه، حيث تبقى البيوت مفتوحة طوال النهار لاستقبال وتوديع وفود من الأقارب والجيران والضيوف، في مشهد يعكس دفء الترابط الاجتماعي وروح المشاركة التي شكلت جزءاً أساسياً من عادات العيد.

تقول مريم العمر، سيدة ستينية تقيم في إدلب، إنها في كل عيد تتذكر الطقوس القديمة، عندما كانت الزيارات تبدأ في الصباح الباكر مباشرة بعد صلاة العيد، وتلتقي العائلات بعضها ببعض لتبادل التهاني ومشاركة فرحة العيد، وتقدّم الأمهات لهم أنواعاً مختلفة من الأطعمة الشعبية والحلويات.

وتضيف في حديث لشبكة شام الإخبارية أن المعايدات على الهاتف، رغم سرعتها وسهولة إرسالها، لا تحمل الدفء الذي تمنحه اللقاءات المباشرة، ولا تنقل شعور الفرحة ذاته، كما تفتقر إلى التفاعل الشخصي والعمق العاطفي الذي كان يميز الاحتفال التقليدي.

لكن ذلك لا يعني أن اللقاءات المباشرة والزيارات المتبادلة قد ألغيت تماماً، خاصة أن كثير من السوريين ما يزالون يحافظون عليها ويعلّمونها لأبنائهم كعادة اجتماعية متوارثة تعزز صلة الرحم وتوطد الروابط بين الأفراد، عدا عن كونها تعتبر نوع من أنواع البر.

كيف جعلت التكنولوجيا الاحتفال بالعيد أقرب رغم البعد؟

في المقابل، لا يمكن إغفال الدور الإيجابي الذي قدمته التكنولوجيا للسوريين خلال مناسبات الأعياد، فهناك من يواجهون ظروفاً تمنعهم من إجراء الزيارات العائلية، مثل المقيمين في مدن بعيدة أو الأشخاص الذين يعانون من مشاكل صحية، أو من لديهم انشغالات أخرى لا يمكن تأجيلها، ما جعل تطبيقات التواصل وسيلة أساسية لإرسال التهاني والشعور بالمشاركة في أجواء العيد رغم بعد المسافة.

يرى جمال الفياض، مقيم في إحدى مخيمات ريف إدلب الشمالي، أن التطبيقات الرقمية أصبحت بديلاً عملياً للقاءات المباشرة التي تتطلب أجور نقل وجهد سفر، خاصة عندما يكون الشخص مقيمًا في منطقة بعيدة عن عائلته وأقاربه.

ويضيف في حديث لـ شام أن الأمر يزداد صعوبة إذا كان متزوجاً ولديه أسرة ويجب اصطحابهم معه، ما يزيد التكاليف ويجعل التنقل أكثر مشقة، وهو ما دفعه إلى الاكتفاء بإرسال رسالة عبر الموبايل، مشيراً إلى أن أهله في القرية بريف إدلب الجنوبي يتفهمون وضعه ولا يلومونه على ذلك.


منصات التواصل الرقمي ملاذ السوريين في الغربة

في الوقت ذاته، شكّلت منصات التواصل الاجتماعي ملاذاً للسوريين، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي شهدتها البلاد خلال سنوات الثورة، بما في ذلك النزوح والسفر إلى دول أخرى وتشتت العائلات، حيث أصبحت هذه التطبيقات وسيلة أساسية للتواصل مع الأحبة البعيدين وإشعارهم بحضورهم في أجواء العيد رغم بعد المسافة وصعوبة اللقاء المباشر.

يقول إسماعيل جابر، سوري مغترب في ألمانيا، في حديثه مع شبكة شام الإخبارية، إنه في أول يوم من العيد يتصل بوالديه عبر محادثة عبر واتساب، حيث لا يستطيعان كبح دموعهما عند الحديث معه، ما يترك داخله أثراً نفسياً عميقاً، ويتبادل معهم الحديث حول تحضيرات العيد والضيوف وكل التفاصيل اليومية، ليشعر وكأنه يشارك أجواء العيد معهم رغم بعد المسافة.


ويضيف إسماعيل أنه يرد أيضاً على اتصالات أشقائه وشقيقاته ليشاركهم تفاصيل يوم العيد، مؤكداً أن لولا تطبيقات التواصل لمرّ العيد بطريقة أقسى، وكانت الضغوط النفسية على أهله أشدّ، ما يبرز الدور الكبير لهذه التطبيقات في الحفاظ على الروابط الأسرية وإشعار الجميع بحضور العيد.

وسائل التواصل الرقمي لا تحل محل اللقاءات المباشرة

يؤكد الأشخاص الذين التقت بهم شبكة شام الإخبارية أن وسائل التواصل الاجتماعي لا تغني عن الزيارات العائلية المباشرة، التي تشكل الأساس في الاحتفال بالعيد، إلا أن البعض يضطر إلى الاعتماد عليها كوسيلة لمعايدة الآخرين وتهنئتهم بسبب الظروف الاقتصادية والاجتماعية وبعد المسافة، أو أي ظروف أخرى تمنع اللقاء المباشر، ما يجعل هذه الوسائل الرقمية جزءاً مهماً من الاحتفال في غياب القدرة على التواصل وجهاً لوجه.

ويشير المختصون إلى أن اللقاءات المباشرة خلال العيد توفر تفاعلاً عاطفياً فورياً وإمكانية ملاحظة تعابير الوجه ولغة الجسد، كما تعزز الروابط الأسرية والاجتماعية، وتعمل على نقل قيم الترابط الأسري واحترام العادات والتقاليد للأجيال القادمة، مما يمنح الفرحة المشتركة صدقاً ودفئاً لا توفره الرسائل النصية أو مكالمات الفيديو.

بين اللقاءات المباشرة ورسائل الهواتف، يظل عيد الفطر في سوريا مناسبة تجمع بين التقاليد الاجتماعية المتوارثة والابتكار الرقمي، لتعكس قدرة السوريين على الحفاظ على الروابط الأسرية وفرحة العيد رغم بعد المسافات والتحديات.

الكاتب: فريق العمل - سيرين المصطفى
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ