ظاهرة اليتم في سوريا بين غياب المعيل وتحديات التعليم والحياة اليومية
ظاهرة اليتم في سوريا بين غياب المعيل وتحديات التعليم والحياة اليومية
● مجتمع ٢٤ مارس ٢٠٢٦

ظاهرة اليتم في سوريا بين غياب المعيل وتحديات التعليم والحياة اليومية

قبل أيام قليلة تداولت صفحات التواصل الاجتماعي فيديو يظهر محافظ إدلب السيد محمد عبد الرحمن وهو يلتقي بطفل صغير طلب منه شراء ملابس جديدة لعيد الفطر، فاستجاب المحافظ لرغبته، وذكر الطفل خلال المقطع المصور أن والديه قُتلا على يد نظام بشار الأسد.

أعاد هذا المشهد إلى الأذهان معاناة الأطفال الأيتام في سوريا، وفتح النقاش مجدداً حول ظاهرة اليتم التي تفاقمت خلال سنوات الثورة، ما وضع آلاف الأطفال أمام تحديات قاسية في ظل غياب أحد الوالدين أو كليهما، وعرّضهم لمصاعب نفسية واجتماعية ومعيشية متعددة.

وتعود زيادة أعداد الأيتام في البلاد إلى الظروف القاسية التي عاشها السوريون خلال سنوات الثورة، إذ تعرّض عدد كبير من الأشخاص للاعتقال على يد قوات النظام البائد، حيث استشهد بعضهم تحت التعذيب في السجون، بينما لا يزال مصير آخرين مجهولاً حتى اليوم.

كما أدت الهجمات والقصف المتكرر على المدن والأحياء السكنية إلى مقتل آباء وأمهات كانوا يعيلون أسرهم، إضافة إلى ارتقاء أشخاص شاركوا في المعارك ضد قوات النظام البائد، إلى جانب سقوط ضحايا بسبب الألغام والمتفجرات، وغيرها من الظروف المرتبطة بالحرب، ما ترك أعداداً كبيرة من الأطفال يواجهون مرارة فقدان الأم أو الأب أو كليهما.

ويواجه الأطفال الأيتام تحديات متعددة على المستويات النفسية والاجتماعية والمعيشية والتعليمية، إذ يترك فقدان الوالدين لدى الطفل شعوراً مستمراً بالوحدة والحزن، خاصة في حال غياب من يعوض هذا الفراغ أو يوفر له الدعم العاطفي، كما قد يتعرض بعضهم لصدمة نفسية نتيجة فقدان أحبائهم، الأمر الذي قد يقود إلى ظهور اضطرابات مثل القلق والتوتر والانطواء.

وتقول إسراء علي السليمان، وهي معلمة في إحدى مدارس ريف إدلب الشمالي، إنها خلال العام الماضي كانت تدرّس طفلاً في الصف الثاني فقد والده نتيجة القصف، ليعيش بعدها مع جدته المسنة، عقب زواج والدته من رجل آخر وتركها الطفل لدى أسرة والده الراحل.

وتوضح في حديث لشبكة شام الإخبارية أن الطفل كان يأتي إلى المدرسة بمفرده ويعود منها بالطريقة ذاتها، مضيفة أنها كانت تلاحظ مراقبته بحسرة لبقية الأطفال الذين يصلون برفقة أحد والديهم، كما كان يُظهر مشاعر حزن وانعزال عند أبسط المواقف، ويربط كثيراً من الأمور السلبية التي تحدث معه بكونه يتيماً.

ولا تقتصر معاناة الأطفال الأيتام على الجانب النفسي فحسب، بل تمتد لتشمل الجانب المعيشي أيضاً، إذ يعاني كثير منهم من الفقر، خاصة في ظل غياب مصدر دخل ثابت للأسرة التي فقدت معيلها، ما يحرمهم أحياناً من الاحتياجات الأساسية مثل الغذاء والملابس والدواء، وغيرها من الضروريات.

ودفعت هذه الظروف عدداً من الأطفال إلى العمل في سن مبكرة لمساعدة أنفسهم وأسرهم، الأمر الذي يحرمهم من طفولتهم الطبيعية ويؤثر في نموهم الجسدي والنفسي، كما ينعكس سلباً على فرصهم في الحصول على تعليم مستقر.

وفي السياق ذاته، يواجه بعض الأطفال صعوبات في متابعة تعليمهم، خصوصاً في حال غياب من يتابع مستواهم الدراسي أو يشرف على التزامهم المدرسي، إضافة إلى اضطرار بعضهم لترك الدراسة بسبب الفقر أو الانخراط المبكر في سوق العمل.

وفي مواجهة هذه التحديات، تلجأ بعض الأسر السورية إلى تبني نهج تكافلي لمساعدة الأطفال الأيتام، سواء كانوا من الأقارب أو من أبناء الجيران والمجتمع المحلي، حيث يقدمون لهم الدعم المادي والمعنوي، مثل توفير الملابس والوجبات الغذائية والمساعدة في متابعة التعليم، ما يخفف من وطأة فقدان المعيل ويمنح الأطفال قدراً من الشعور بالأمان والانتماء.

وتقول فاطمة العبد الله، 70 عاماً، تنحدر من ريف إدلب الجنوبي، إن ابنها محمود استشهد قبل عشر سنوات وترك ابنتين، بينما اعتُقل ابنها الآخر أسامة قبل 12 عاماً ولا يزال مصيره مجهولاً، وهو الٱخر أب لولد وبنت، ما ضاعف من شعورها بالحسرة على فقدان أبنائها.

وتضيف في حديثها لـ شام أن العائلة تحاول دعم الأحفاد الأيتام من خلال مساعدة أمهاتهم في تغطية النفقات المالية، والتواصل مع المدرسين لمتابعة أوضاعهم التعليمية، كما تحرص على دعوتهم إلى منزلها في كل عطلة وزيارتهم بشكل دوري للاطمئنان عليهم.

في المقابل، هناك العديد من الأطفال الأيتام الذين يفتقرون إلى هذا النوع من الدعم الأسري والاجتماعي، ما يجعل أثر الصعوبات والتحديات التي يواجهونها أشد قسوة وتعقيداً.

ويشير مختصون اجتماعيون إلى أنه في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها الأطفال الأيتام في سوريا، تبرز الحاجة إلى حلول عملية ومستدامة، من بينها تبني نظام الكفالة لتأمين الدعم المادي المستمر، وتقديم خدمات الدعم النفسي والاجتماعي للتخفيف من آثار الصدمات التي تعرضوا لها نتيجة فقدان الوالدين.

كما يقترح المختصون توفير برامج دعم تعليمي ورعاية أكاديمية تساعد الأطفال على الاستمرار في الدراسة، إلى جانب تأمين المساعدات الغذائية والملابس والاحتياجات الأساسية، مؤكدين أن هذه الجهود تتطلب تعاوناً مشتركاً بين المنظمات الإنسانية والجهات الحكومية والمجتمع المحلي لضمان حياة أكثر استقراراً لهؤلاء الأطفال.

تُعد ظاهرة اليتم من أبرز الظواهر التي تفاقمت خلال سنوات الثورة السورية، نتيجة القصف والاعتقال والإخفاء القسري التي انتهجها نظام بشار الأسد في مواجهة السوريين، الأمر الذي أدى إلى فقدان آلاف الأطفال أحد والديهم أو كليهما، ليجدوا أنفسهم في مواجهة واقع قاسٍ في سن مبكرة.

الكاتب: فريق العمل - سيرين المصطفى
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ