طقوس استقبال المواليد في سوريا: عادات متجذرة تعكس تلاحم العائلة واستمرار التراث
تُعد ولادة طفل جديد لحظة هامة ومناسبة خاصة لدى العائلات في سوريا، إذ تستقبلها بجملة من التحضيرات الاجتماعية والعائلية التي تندرج ضمن العادات والتقاليد السائدة في المنطقة، تعبيراً عن فرحتها بقدوم المولود وحرصاً على الالتزام بالممارسات التي اعتادت الأسر القيام بها في مثل هذه المناسبات السعيدة.
ولا تقتصر التحضيرات لاستقبال المولود على الوالدين فقط، وإنما تمتد لتشمل الجدات وأفراد العائلة الممتدة من أعمام وعمّات وأخوال وخالات، إلى جانب الأصدقاء والمعارف، مع وجود بعض الاختلافات في طبيعة الأدوار التي يؤديها كل طرف بحسب صلته بالعائلة وقربه منها.
يحرص الوالدان على تجهيز مستلزمات الطفل الأساسية قبل ولادته مثل الملابس والسرير والأغطية المناسبة، إلى جانب ترتيب المنزل وتهيئته لاستقبال الضيوف الذين يتوافدون لتهنئتهم بعد الولادة، وفي بعض الحالات يقوم الأب بتزيين المنزل بطريقة جميلة تعبيراً عن فرحته بقدوم المولود وسلامة زوجته.
ويُطلق في اللهجة المحلية السورية على ملابس الطفل اسم "الديارة"، وهي من أولى المستلزمات التي يتم تجهيزها قبل الولادة، إذ تتولى الأم إعدادها في بعض العائلات، بينما تُسند هذه المهمة في عائلات أخرى إلى الجدة، سواء كانت والدة الأم أو والدة الأب، وذلك تبعاً للعادات والتقاليد السائدة في كل منطقة واختلاف الأعراف بين الأسر.
وتلعب الجدات دوراً مهماً في هذه المرحلة من خلال تقديم الخبرة والنصائح للأم، إذ يفضّل بعضهن البقاء إلى جانبها لمساعدتها، خاصة أنها تكون متعبة في هذه الفترة ويصاحبها الألم، ما يجعلها بحاجة إلى مساندة مستمرة من الجدات، بالإضافة إلى الزوج وأفراد العائلة الآخرين.
كما تميل بعض العائلات لتوزيع الحلويات على الجيران والأقارب والأصدقاء فرحا بمناسبة قدوم الطفل وتجاوز الأم مرحلة الولادة بسلام، بعد الولادة، يتوافد المهنئون لتهنئة العائلة ومشاركة فرحتهم بالمولود الجديد، حاملين هدايا تتنوع بحسب إمكانياتهم والمعروفة باسم "النقوط"، وقد تكون موجهة للأم أو للطفل، وتشمل الملابس أو المال أو أشياء أخرى ذات فائدة وأهمية، وتتراوح بين البسيطة والثمينة، لتعكس مشاعر الفرح والمودة بين العائلة والمحيطين بها.
رغم الظروف القاسية التي مرت بها سوريا من نزوح وقصف وتراجع الإمكانيات المادية، بقيت هذه العادات والتقاليد محافظة على حضورها في مناسبات استقبال المواليد، مع بعض التغيرات الطفيفة، وما تزال تمارسها العائلات لتعبّر عن فرحتها بالمولود الجديد.
حتى العائلات التي هجرت أو نزحت خارج البلاد كانت تحرص على المشاركة في فرحة استقبال المولود مع أقاربهم وأصدقائهم وأفراد العائلة الذين بقوا في سوريا، من خلال إرسال الحوالات المالية وتهنئتهم عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي، ما يعكس استمرارية الروابط الاجتماعية والدعم المتبادل بين أفراد الأسرة رغم البعد والمسافات.
تساهم هذه العادات والتقاليد في تقديم العديد من الإيجابيات للعائلة، فهي توفر الدعم والمساعدة مباشرة بعد ولادة الطفل، خاصة في الحالات التي تواجه فيها الأسرة صعوبات مادية في تغطية احتياجات المولود، كما تمنح الأم مساندة معنوية وتؤكد لها وللأسرة أنهم ليسوا وحدهم في هذه المرحلة التي تتطلب تحضيرات وتجهيزات متعددة لاستقبال الطفل الجديد.
وتُقوي هذه العادات الروابط الاجتماعية والعلاقات بين أفراد الأسرة الممتدة والأقارب والأصدقاء، حيث يجتمع الجميع حول حدث فرح مشترك، ما يعزز تلاحم الأسرة والمجتمع المحلي، كما يساعد على حفظ التراث الثقافي واستمرار التقاليد السورية، ما يعكس صورة مميزة عن المجتمع وممارساته الاجتماعية، إضافة إلى تعليم الأجيال الجديدة قيم التعاون والاحترام ومساندة الآخرين في المناسبات السعيدة والحزينة من خلال المشاركة في هذه الطقوس.
يؤكد المختصون أن هذه العادات والتقاليد تعكس مدى حرص المجتمع السوري على المحافظة على هويته الثقافية والروابط الأسرية، فهي لا تقتصر على الاحتفال بالمولود، بل تعمل أيضاً كإطار اجتماعي يربط بين الأجيال وينقل القيم والتقاليد، كما تعكس المكانة الرمزية للطفل داخل الأسرة وتشجع على التفاعل والمشاركة بين أفراد العائلة والمجتمع المحيط، مما يجعل قدوم الطفل مناسبة تجمع بين البعد الشخصي والعائلي والمجتمعي في آن واحد.