حين يصبح جنس المولود قضية اجتماعية: معاناة نساء بسبب تفضيل الذكور
رغم التقدم العلمي والتطور التكنولوجي والأبحاث التي تؤكد أن تحديد جنس المولود لا يعتمد على المرأة، ما تزال العديد من العائلات في المجتمع السوري تلقي على النساء مسؤولية عدم إنجاب المولود الذكر، وتجبرهن على تكرار محاولات الحمل، ما يضعهن أمام تحديات صحية وضغوط اجتماعية ونفسية قاسية.
وتؤكد الدراسات العلمية أن الرجل هو المسؤول عن تحديد جنس المولود، فالحيوان المنوي يحمل كروموسوم X أو Y، بينما تحمل البويضة كروموسوم X فقط، فإذا خُصّبت البويضة بحيوان منوي يحمل Y يكون المولود ذكراً، وإذا خُصّبت بـ X تكون أنثى.
قصص واقعية تعكس حجم الضغوط الاجتماعية
تقول كفى المحمود، 32 عاماً وأم لأربع بنات وتقيم في إحدى قرى ريف حماة الشمالي، إنها تزوجت منذ نحو ست سنوات وأنجبت خلال هذه الفترة أربع بنات، وتشير إلى أن حماتها، السبعينية، بدأت في انتقادها منذ ولادة ابنتها الأولى، مؤكدة لها أن "المرأة الأصلية يجب أن تنجب أول مولود ذكر ليعين والده مستقبلاً في المسؤوليات والواجبات"، وفق تعبيرها.
وتضيف في حديث لشبكة شام الإخبارية أن الأمر تفاقم مع ولادة ابنتها الثانية والثالثة والرابعة، إذ صارت حماتها تعاملها بقسوة وتطلق عليها لقب "أم البنات"، وتحرض الزوج على الزواج مرة ثانية، تنوه كفى إلى أنها طلبت من معلمة العلوم في الحي الحديث مع حماتها بأن المرأة لا ذنب لها بتحديد جنس الجنين، إلا أن والدة الزوج لم تقتنع وأصرت على موقفها.
أسباب اجتماعية واقتصادية لتفضيل الذكور
تميل بعض العائلات في سوريا إلى إنجاب الذكور أكثر من الإناث لاعتقادهم أن الذكور أكثر قدرة على دعم الأسرة مادياً في المستقبل، خاصة في البيئات التي تعاني من ضعف فرص العمل وعدم الاستقرار الاقتصادي، كما يُعتقد أن الذكور يظلون قريبين من الأسرة ويقدمون الرعاية للوالدين عند الكبر، في حين أن الإناث بعد الزواج قد يبتعدن عن أسرة الوالدين لتنشغلن بعائلة الزوج، ما يضاعف الميل النفسي لإنجاب الذكر.
تقول رائدة المحمد، حائزة على إجازة جامعية من كلية التربية في إدلب، إن بعض المجتمعات في سوريا تنظر إلى الذكر باعتباره حافظاً لاسم العائلة وإرثها وممتلكاتها، بينما تنتقل البنات إلى عائلات أخرى بعد الزواج، مما يقلل من مساهمتهن المباشرة في الأسرة الأصلية وفق العادات والتقاليد.
وتشير في حديث لـ شام إلى أن هذا ليس صحيحاً دائماً، لا سيما أنها لاحظت أن كثيراً من الفتيات يسهمن في دعم أهاليهن بعد الزواج، سواء من الناحية المادية إذا كان لديهن وظيفة أو المعنوية من ناحية الاهتمام بهم في وقت المرض أو الظروف الطارئة، أكثر من أشقائهن الذكور.
مخاطر تكرار الحمل وحرمان النساء من تنظيم الأسرة
وتضطر كثير من النساء، عند عدم إنجاب مولود ذكر، إلى تكرار تجربة الحمل مرات متتالية في محاولة لتحقيق رغبة الأسرة، ما يحرم بعضهن من حقهن في تنظيم الأسرة والمباعدة بين الولادات، الأمر الذي ينعكس سلباً على صحتهن الجسدية والنفسية ويزيد من شعورهن بالإرهاق والتعب المستمر.
وتشير دراسات طبية إلى أن الحمل المتقارب دون فواصل زمنية كافية قد يعرّض الأم لمضاعفات صحية، مثل فقر الدم وضعف التغذية ومشكلات الحمل والولادة، كما يزيد من مخاطر الولادة المبكرة وانخفاض وزن المولود، لذلك توصي الجهات الصحية بوجود فاصل زمني لا يقل عن عامين بين الحمل والآخر لضمان تعافي جسم المرأة والحفاظ على صحة الأم والطفل.
الزواج الثاني كأحد تداعيات تفضيل الذكور
ولم تتوقف التداعيات السلبية لهذه الظاهرة عند حدود المعاناة النفسية أو تحميل المرأة مسؤولية عدم إنجاب المولود الذكر وإجبارها على تكرار تجارب الحمل، بل تجاوزت ذلك في بعض الحالات إلى زواج الزوج من امرأة أخرى أملاً في إنجاب الذكر.
وغالباً ما يحدث هذا القرار تحت ضغط من عائلة الزوج أو بدافع رغبة شخصية منه، ما يترك آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الزوجة الأولى ويزيد من هشاشة استقرار الأسرة.
مختص نفسي: تفضيل الذكور يخلّف آثاراً عميقة على النساء والأطفال
يقول براء الجمعة، مختص في الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي، إنه في المجتمع السوري لا يزال البعض ينظر إلى إنجاب الذكر كنوع من 'الاستمرارية' أو 'الأمان'، وهي نظرة متوارثة تخلق عبئاً نفسياً واجتماعياً لا يُستهان به، وتتحمل النساء ضريبته الأكبر.
ويضيف في حديث لشبكة شام الإخبارية أن ذلك يؤدي إلى الاستنزاف النفسي والجسدي، خاصة عندما يتحول الإنجاب من فعل حب واستقبال لحياة جديدة إلى 'مهمة' لإنتاج جنس معين، فتدخل المرأة في دوامة من القلق والترقب، ومع تكرار المحاولات التي لا تأتي بالنتيجة المرجوة اجتماعياً، تبدأ المرأة بالشعور بالتقصير أو 'الخذلان'، رغم أنها لا تملك أي تدخل بيولوجي في تحديد جنس المولود، هذا الشعور يؤدي تدريجياً إلى انخفاض تقدير الذات والشعور بالاغتراب داخل الأسرة.
ويردف أن تفضيل إنجاب الذكور يفضي إلى الضغط الاجتماعي وتفكك الروابط، فتكرار الإنجاب بحثاً عن الذكر يضع الأسرة أمام ضغوط اقتصادية ومعيشية تزيد من تعقيد الحياة اليومية، واجتماعيًا، قد تواجه المرأة تلميحات بالزواج الثاني أو اللوم المستمر، مما يجعل بيتها مكاناً للتوتر بدلاً من السكينة، مشيرا إلى أن هذا 'التنميط' للمولودة الأنثى كخيار ثانٍ يزرع في وعي البنات الصغيرات منذ الطفولة شعوراً بأنهنّ 'أقل'، مما يؤثر على نمو شخصياتهنّ مستقبلاً.
ويؤكد الجمعة أن المجتمع بحاجة اليوم لإعادة صياغة المفاهيم حول قيمة الإنسان؛ فالقيمة لا تُحدد بجنس المولود بل بكونه كائناً حياً يحتاج الرعاية والاحتواء، فالقوة الحقيقية للأسرة تكمن في تماسكها ومحبتها لأفرادها بغض النظر عن كونهم ذكوراً أو إناثاً.
ويشدد على ضرورة التوقف عن معاملة النساء كمجرد أدوات لتحقيق سرديات اجتماعية قديمة، والبدء برؤيتهنّ كشريكات في بناء المجتمع وحمايته، منوها إلى أن الطفل، ذكراً كان أم أنثى، هو حياة تستحق الاحتفاء، والوعي يبدأ عند الإدراك أن 'الأمان' الحقيقي يُبنى بالتربية السليمة والعدالة والمحبة، لا بنوع المولود.
ويشير مختصون في مجالي الصحة والتوعية المجتمعية إلى أن تصحيح المفاهيم الخاطئة حول تحديد جنس المولود يبدأ بنشر الوعي العلمي بين الأسر، من خلال المدارس ووسائل الإعلام والبرامج المجتمعية، مؤكدين أن استمرار تحميل المرأة مسؤولية هذا الأمر يعكس فجوة معرفية لا بد من معالجتها عبر حملات توعوية مستمرة تستهدف مختلف الفئات العمرية.
وتبقى عادة تفضيل إنجاب الذكور على الإناث إحدى التحديات القاسية التي تواجهها النساء في بعض المجتمعات السورية، إذ يُحمَّلن مسؤولية عدم إنجاب المولود الذكر، ويُجبرن في كثير من الأحيان على تكرار تجربة الحمل، كما يواجهن تهديداً دائماً بزواج الزوج مرة أخرى، ما يعرّضهن لضغوط نفسية واجتماعية قاسية.