تسريب لسائق يبرر جرائم الأسد وتعليق قانوني يحذر من خطورة إنكار الانتهاكات
تسريب لسائق يبرر جرائم الأسد وتعليق قانوني يحذر من خطورة إنكار الانتهاكات
● مجتمع ٣٠ يونيو ٢٠٢٦

تسريب لسائق يبرر جرائم الأسد وتعليق قانوني يحذر من خطورة إنكار الانتهاكات

تداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي مقطعاً مصوراً أثار جدلاً واسعاً، يظهر سائق سيارة  أجرة أثناء حديثه مع سيدة كانت تستقل المركبة في إحدى ضواحي العاصمة السورية دمشق، ويظهر المقطع لحظة توثيق الحوار الذي دار بين الطرفين، حيث بدا أن السيدة توجه أسئلة للسائق حول المرحلة السابقة وما ارتبط بها من ملفات سياسية وأمنية شديدة الحساسية في الوعي العام السوري.

وخلال الحوار المتداول، تحدث السائق عن ما وصفه بحالة من الأمان والاستقرار خلال عهد النظام البائد، قبل أن ينتقل الحديث إلى ملفات أكثر حساسية تتعلق بالانتهاكات والجرائم التي وثّقتها تقارير حقوقية ودولية خلال سنوات الثورة.

وعند مواجهة السيدة له بوقائع تتعلق بمقتل مدنيين، نفى السائق تلك الاتهامات بشكل قاطع، معتبراً أن الهارب بشار الأسد لم يتم قتل أي إنسان في تلك المرحلة.

كما تضمن المقطع نقاشاً حول ملف سجن صيدنايا، حيث أنكر السائق وجود عمليات تعذيب داخله، بل ذهب في حديثه إلى توصيف مثير للجدل مفاده أن جميع من دخلوا إلى السجن كانوا يستحقون ذلك في تعميم اعتبره ناشطون استفزازياً لمشاعر ذوي الضحايا والمتضررين.

وامتد الحوار لاحقاً إلى ملفات سياسية إقليمية، حيث أطلق السائق سلسلة من الادعاءات تضمنت اتهامات للرئيس أحمد الشرع بأنه تسبب بمقتل مليون إنسان وحارب في العراق وسوريا وليبيا واليمن.

هذه الواقعة، التي جاءت ضمن سياق فيديو واحد، أعادت إلى الواجهة نقاشاً أوسع داخل الأوساط القانونية والحقوقية حول ظاهرة إنكار الانتهاكات أو تبريرها في الخطاب اليومي أو الإعلامي غير الرسمي، وما إذا كانت هذه الممارسات تندرج ضمن حرية التعبير، أم أنها تتجاوزها لتلامس حدود المساءلة القانونية، خاصة في ظل مرحلة انتقالية تشهد إعادة تشكيل للإطار الدستوري والقانوني في البلاد.

وفي السياق، قال الباحث في القانون الدولي وحقوق الإنسان المعتصم بالله الكيلاني في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن التعامل مع إنكار الانتهاكات الجسيمة لا يمكن أن يكون باعتباره مجرد رأي أو نقاش تاريخي مجرد، مشيراً إلى أن حجم الجرائم التي ارتكبت خلال العقود الماضية موثق عبر آليات دولية مستقلة، من بينها لجنة التحقيق الدولية المستقلة الخاصة بسوريا، والآلية الدولية المحايدة والمستقلة، إضافة إلى أحكام صدرت في عدد من الدول الأوروبية ضمن إطار الولاية القضائية العالمية، ما يجعل من هذه الوقائع حقائق قانونية موثقة وليست محل جدل مجرد.

وأوضح الكيلاني أن هذا النوع من الإنكار لا يمس فقط بوقائع تاريخية، بل ينعكس بشكل مباشر على حقوق الضحايا وذويهم في الاعتراف بمعاناتهم، كما قد يؤدي إلى تقويض مسار العدالة الانتقالية وإضعاف الثقة المجتمعية اللازمة لبناء عقد اجتماعي جديد يقوم على الحقيقة والمساءلة.

وأضاف أن استمرار تداول خطاب ينكر الانتهاكات أو يقلل من شأنها قد يساهم في تعميق الانقسام داخل المجتمع، ويؤخر عملية التعافي الوطني وإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع والدولة.

وفي ما يتعلق بالإطار القانوني، أكد الكيلاني أن حرية التعبير تظل حقاً أساسياً مكفولاً بموجب المادة التاسعة عشرة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، إلا أن هذا الحق ليس مطلقاً، بل يمكن تقييده ضمن حدود صارمة يحددها القانون الدولي، خاصة عندما يتعلق الأمر بخطابات تنطوي على إنكار جرائم دولية مثبتة أو تمجيد مرتكبيها أو التحريض على الكراهية أو العنف أو المساس بحقوق الضحايا.

وأشار إلى أن الحالة السورية تفرض خصوصية قانونية وسياسية، نظراً لكونها تمر بمرحلة انتقالية تتطلب مقاربة دقيقة بين حماية حرية التعبير من جهة، وضمان عدم استخدام هذا الحق كغطاء لإنكار الجرائم أو إعادة إنتاج خطاب الإفلات من العقاب من جهة أخرى واعتبر أن أي تدخل قانوني في هذا المجال يجب أن يلتزم بمبدأ الضرورة والتناسب، وأن يظل محصوراً ضمن نطاق واضح لا يمس بالنقاش السياسي أو الأكاديمي المشروع.

وفي سياق متصل، أوضح الباحث أن النقاش حول إمكانية سن تشريع يجرّم تمجيد أو إنكار جرائم النظام السابق يجب أن يُبنى على أسس دقيقة، بحيث يقتصر على الجرائم الجسيمة المثبتة قضائياً أو الموثقة من جهات دولية مستقلة، مع ضرورة التمييز الواضح بين حرية البحث العلمي والنقاش التاريخي من جهة، وبين الخطاب الذي يهدف إلى تمجيد الجرائم أو التحريض عليها من جهة أخرى. وأضاف أن أي قانون في هذا الاتجاه يجب أن يهدف إلى حماية حقوق الضحايا وتعزيز السلم الأهلي، لا إلى تقييد الرأي أو استخدامه كأداة سياسية.

كما شدد على أن العدالة الانتقالية تمثل الإطار الأشمل لمعالجة إرث الانتهاكات، من خلال أربع ركائز أساسية تشمل كشف الحقيقة، والمساءلة، وجبر الضرر، وضمان عدم التكرار، موضحاً أن مواجهة الإنكار لا ينبغي أن تنحصر في العقوبات الجنائية فقط، بل يجب أن تترافق مع جهود مؤسساتية أوسع تشمل التوثيق الرسمي، وفتح الأرشيفات، وإحياء ذاكرة الضحايا، وإصلاح المؤسسات التي ارتبطت بالانتهاكات.

وبيّن أن التوثيق يهدف إلى تثبيت الحقيقة التاريخية والقانونية وصيانة ذاكرة الضحايا، في حين أن المحاسبة تتعلق بمساءلة المسؤولين عن الجرائم وفق ضمانات المحاكمة العادلة، أما تنظيم الخطاب فيبقى مجالاً حساساً ينبغي التعامل معه بحذر شديد، بحيث لا يتحول إلى بديل عن العدالة أو وسيلة لتقييد المجال العام.

ولفت الكيلاني إلى أن التعامل المتوازن مع هذه الظواهر يمكن أن يسهم في دعم مسار العدالة الانتقالية وتعزيز فرص المصالحة المجتمعية، في حين أن استمرار إنكار الجرائم أو تبريرها قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات وإضعاف الثقة بمؤسسات الدولة، ما ينعكس سلباً على بناء السلم الأهلي. لكنه في الوقت نفسه حذر من أن أي توسع غير منضبط في تجريم الخطاب قد يؤدي إلى نتائج عكسية تمس حرية التعبير وتضعف المجال العام.

واختتم تصريحه بالتأكيد على ضرورة تبني مقاربة شاملة تقوم على الاعتراف الرسمي بالانتهاكات، وإنشاء هيئة مستقلة للحقيقة وحفظ الذاكرة، وضمان حق الضحايا في المعرفة وجبر الضرر، إلى جانب محاسبة المسؤولين عن الجرائم وفق محاكمات عادلة، مع صياغة تشريعات دقيقة تمنع التحريض وتمجيد الجرائم دون المساس بحرية البحث والإعلام والنقاش العام.

وفي سياق موازٍ، شهد محيط قصر العدل في دمشق وقفة احتجاجية نظمها عدد من الناشطين والحقوقيين، طالبوا خلالها بتفعيل النصوص الدستورية المتعلقة بتجريم تمجيد النظام السابق أو الدفاع عنه، وتسريع مسار العدالة الانتقالية ومحاسبة المتورطين في الانتهاكات التي وقعت خلال السنوات الماضية، مؤكدين أن بناء دولة القانون لا يمكن أن يكتمل دون مواجهة هذا الإرث الحقوقي بشكل واضح وحاسم.

وأكدت وزارة العدل أن الشعب السوري قد تعرض، على مدى عقود، لأبشع صنوف الظلم والقهر والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، حتى استعاد حريته في الثامن من كانون الأول 2024، لتبدأ مرحلة وطنية جديدة تقوم على أسس العدالة والإنصاف وسيادة القانون، وصون الحقوق والحريات.

ولفتت في بيان رسمي إلى أنه انطلاقًا من المبادئ التي كرسها الإعلان الدستوري للمرحلة الانتقالية، وفي مقدمتها تحقيق العدالة الانتقالية، فإن إنكار الجرائم التي ارتكبها النظام البائد، أو التشكيك في وقوعها، أو تبريرها، أو تمجيد مرتكبيها، يعد مخالفة لأحكام الإعلان الدستوري، لما ينطوي عليه ذلك من مساس بحقوق الضحايا والذاكرة الوطنية.

وشددت الوزارة أن النيابة العامة، بصفتها الجهة المختصة بتحريك الدعوى العامة، تتابع هذه المخالفات وفق الأصول القانونية، وتهيب بجميع المواطنين الإبلاغ عن أي أفعال أو أقوال تشكل مخالفة لأحكام الإعلان الدستوري، ليصار إلى اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق مرتكبيها، وفقًا للقوانين النافذة.

هذا وأوضحت أنها أنجزت مشروع قانون خاص ينظم هذا الموضوع، نظرًا لأهميته في حماية حقوق الضحايا، وصون الحقيقة التاريخية، والحفاظ على ذاكرة الأجيال القادمة، ومنع تكرار الانتهاكات وسيُرفع مشروع القانون إلى مجلس الشعب فور انعقاده، لاستكمال الإجراءات الدستورية وإقراره وفق الأصول.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ