التحول الرقمي في التعليم الجامعي: دور الذكاء الاصطناعي بين الفاعلية والمخاطر
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم الرقمي، بات الذكاء الاصطناعي حاضراً بقوة داخل البيئة التعليمية، لا سيما في الجامعات، حيث أعاد تشكيل أساليب التعلم وأدوار أطراف العملية التعليمية، وبينما يرى البعض فيه فرصة لتطوير جودة التعليم وتسريع الوصول إلى المعرفة، يثير في المقابل تساؤلات حول تأثيره على مهارات التفكير لدى الطلبة وحدود الاعتماد عليه.
وفي هذا السياق، يقدّم الأستاذ الجامعي والباحث في التربية والفكر الإسلامي عماد كنعان، من خلال حديث لشبكة شام الإخبارية، قراءة متوازنة لتأثيرات هذه التقنيات، مستعرضاً أبرز فوائدها وتحدياتها وانعكاساتها على مستقبل التعليم الجامعي.
وقال كنعان إن الذكاء الاصطناعي يمثل أكبر تحول يشهده التعليم الجامعي منذ ظهور شبكة الإنترنت، وأضاف أنه لا يغيّر أدوات التعلم فحسب، بل يعيد تعريف مفهوم التعليم ذاته، وأشار إلى أن دور الطالب قد انتقل من مجرد متلقٍ للمعلومات إلى باحث قادر على الوصول إلى المعرفة وتحليلها، فيما انتقل دور الأستاذ الجامعي من ناقل للمعلومة إلى مرشد وموجه ومقوم للتعلم.
ونوه إلى أنه إذا أُحسن توظيف هذه التقنيات فإنها ستسهم في رفع جودة التعليم، وتسريع التعلم، وتخصيص الخبرات التعليمية وفق احتياجات كل طالب، بينما قد تتحول، في حال إساءة استخدامها، إلى وسيلة لإضعاف التعلم الحقيقي وإنتاج معرفة سطحية.
وبيّن أن للذكاء الاصطناعي فوائد كبيرة إذا استُخدم كشريك في التعلّم لا بديلاً عن التفكير، ولفت إلى أنه يساعد الطالب على الوصول السريع إلى المعلومات، وتبسيط المفاهيم المعقّدة، وتوليد الأفكار الأولية، وتحسين جودة الكتابة الأكاديمية، وتلخيص المراجع، وتنظيم البيانات، واقتراح مسارات جديدة للبحث.
وذكر أنه يتيح للباحث إنجاز كثير من الأعمال الروتينية في وقت قياسي، مما يفسح المجال للتركيز على التحليل والإبداع والاستنتاج، وهي الجوانب التي تبقى مسؤولية الإنسان ولا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يحل محله فيها.
وتحدث كنعان عن أبرز السلبيات المحتملة، موضحاً أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الذكاء الاصطناعي نفسه، بل في طريقة استخدامه، وأوضح أن الاعتماد المفرط عليه قد يؤدي إلى ضعف مهارات البحث، وتراجع القدرة على التحليل، والكسل العقلي، وفقدان الأصالة في الإنتاج العلمي، إضافة إلى انتشار الغش الأكاديمي إذا غابت الضوابط الأخلاقية.
وأكد أن بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي قد تقدم معلومات غير دقيقة أو غير موثقة بثقة عالية، الأمر الذي يفرض على الطالب امتلاك مهارات التحقق والنقد وعدم التسليم بكل ما ينتجه النظام، وشدد على أن تأثير الذكاء الاصطناعي على التفكير النقدي يعتمد على أسلوب الاستخدام، وأفاد بأنه إذا اكتفى الطالب بنقل الإجابات الجاهزة فإن التفكير النقدي سيتراجع تدريجياً، لأن العقل لا ينمو إلا بالممارسة.
وأضاف أن الطالب إذا تعامل مع الذكاء الاصطناعي كأداة للحوار وطرح الأسئلة والمقارنة بين الآراء وتحليل الأدلة، فإنه قد يصبح وسيلة فعالة لتنمية التفكير النقدي، وأشار إلى أن السؤال لم يعد: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي؟ بل: كيف نستخدمه بطريقة تجعل الإنسان أكثر تفكيراً لا أقل تفكيراً؟
وأوضح كنعان أن كثيراً من الدراسات الحديثة تشير إلى أن الاستخدام المنظم للذكاء الاصطناعي يسهم في تحسين التحصيل الأكاديمي، خاصة عندما يستخدم في تقديم تغذية راجعة فورية، وتصميم أنشطة تعليمية تناسب الفروق الفردية، ومساعدة الطلبة على مراجعة الأخطاء وفهمها، وأكد أن الذكاء الاصطناعي لا يصنع طالباً متفوقاً بمفرده، مبيناً أن التفوق لا يزال يعتمد على الدافعية، والانضباط، والاجتهاد، والتفكير المستقل.
وأشار إلى أن أبرز التحديات تتمثل في غياب السياسات الواضحة، وعدم تحديث أنظمة التقويم بما يتناسب مع الواقع الجديد، وضعف تأهيل أعضاء هيئة التدريس، إضافة إلى قضايا النزاهة الأكاديمية، وحماية البيانات، والخصوصية، والعدالة في إتاحة هذه التقنيات لجميع الطلبة.
ونوه إلى أن الجامعات أصبحت مطالبة بوضع سياسات مؤسسية واضحة تحدد الاستخدام المقبول للذكاء الاصطناعي، وتعيد تصميم أساليب التدريس والتقويم بما يركز على التفكير والتحليل والإبداع أكثر من التركيز على حفظ المعلومات.
وقال كنعان إن القاعدة الذهبية هي: "ليكن الذكاء الاصطناعي مساعداً للعقل، لا بديلاً عنه"، وأضاف أن هذا التوازن يتحقق عندما يستخدم الطالب هذه الأدوات في البحث والاستكشاف والمراجعة، بينما يبقى مسؤولًا عن الفهم والتحليل والنقد واتخاذ القرار.
ولفت إلى ضرورة أن تركز الجامعات على بناء مهارات التفكير، وحل المشكلات، والإبداع، والعمل التعاوني، موضحاً أن هذه المهارات يصعب استبدالها بالذكاء الاصطناعي، وأكد أن مستقبل التعليم لن يكون للإنسان أو للآلة، وإنما للإنسان القادر على توظيف الآلة بوعي ومسؤولية.
وأوضح أن الذكاء الاصطناعي ليس نهاية دور المعلم، ولا نهاية دور الطالب، بل هو بداية مرحلة جديدة من التعليم، يكون فيها الإنسان أكثر حاجة إلى التفكير، والحكمة، والقيم، والوعي الأخلاقي.
وأكد أن كلما ازدادت قدرة الآلات على إنتاج المعلومات، ازدادت حاجة المجتمعات إلى الإنسان القادر على توظيف هذه المعلومات في خدمة الحقيقة، وبناء المعرفة، وصناعة المستقبل، مبيناً أن التعليم الناجح في القرن الحادي والعشرين لن يقاس بكمية ما يحفظه الطالب، بل بقدرته على التفكير، والتمييز، والإبداع، والاستخدام المسؤول للتقنيات الحديثة.
يشهد التعليم الجامعي حضوراً متزايداً لتقنيات الذكاء الاصطناعي، التي أسهمت في تغيير أساليب التعلم وإتاحة أدوات جديدة أمام الطلبة والباحثين، وفي الوقت الذي توفر فيه هذه التقنيات إمكانات متعددة في مجالات البحث والدراسة، تطرح في المقابل تحديات تتعلق بآليات استخدامها داخل البيئة التعليمية، ومع استمرار تطورها، تبقى مسألة توظيفها ضمن الأطر الأكاديمية المنظمة من القضايا المطروحة في سياق النقاش حول مستقبل التعليم.