بين القرطاسية والحقائب والملابس.. كلفة المدارس ترهق الأسر السورية
تواجه الأسر السورية مع بدء العام الدراسي أعباء مالية إضافية لتأمين المستلزمات الدراسية لأبنائها، بدءاً من القرطاسية والحقائب وصولاً إلى الملابس والأحذية وغيرها من الاحتياجات، في وقت تعاني فيه شريحة واسعة من العائلات من محدودية الدخل وصعوبة تغطية متطلباتها الأساسية.
وتتضاعف هذه الأعباء لدى الأسر التي تضم أكثر من طفل في سن الدراسة، إذ تتكرر الاحتياجات مع كل طالب، ما يدفع بعض العائلات إلى البحث عن بدائل أقل كلفة، من بينها شراء المستعمل وإعادة استخدام مستلزمات الأعوام السابقة، أو الاكتفاء بالاحتياجات الأكثر ضرورة وتأجيل شراء بقية الأدوات.
أسر تبحث عن البدائل لتقليل النفقات
روت تسنيم العبدو، وهو اسم مستعار لسيدة تقيم في أحد مخيمات قرية دير حسان بريف إدلب الشمالي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، جانباً من الصعوبات التي تواجهها أسرتها في تأمين مستلزمات تعليم أطفالها، موضحة أنها أم لخمسة أطفال، اثنتان منهن تدرسان في المدرسة، إضافة إلى طفلة كان من المفترض أن تلتحق بالروضة، وطفلة أخرى ورضيع حديث الولادة.
وأوضحت أن دخل زوجها لا يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية للأسرة، ما دفعها إلى شراء حقائب مدرسية مستعملة لبناتها من أسواق "البالة" بهدف تخفيف النفقات، فيما اضطرت إلى عدم إرسال طفلتها إلى الروضة بسبب عدم قدرتها على تحمل القسط الشهري.
وتعكس تجربة تسنيم جانباً من الضغوط التي تواجهها الأسر محدودة الدخل مع بداية الموسم الدراسي، إذ قال الباحث الاقتصادي حامد سيف الدين، في تصريح خاص لشبكة شام، إن كلفة العودة إلى المدارس تحولت إلى بند ضاغط على ميزانية الأسرة السورية، خصوصاً بالنسبة للعائلات التي تعتمد على دخل محدود أو غير منتظم.
وأوضح سيف الدين أن النفقات المدرسية لا تقتصر على شراء الدفاتر والأقلام، وإنما تشمل الحقائب والملابس والأحذية، وقد تمتد إلى تكاليف النقل والدروس الخاصة وغيرها من الاحتياجات، ما يجعل تأمين متطلبات التعليم عبئاً متراكماً وليس نفقة واحدة يمكن للأسرة التعامل معها بسهولة.
وأشار إلى أن ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية جعلا النفقات المدرسية الموسمية تنافس بصورة مباشرة الإنفاق على الغذاء والسكن والصحة، فيما تصبح المشكلة أكثر صعوبة لدى العائلات التي لديها عدة أطفال في المدارس، أو الأسر التي لا تمتلك دخلاً ثابتاً وتستهلك احتياجاتها اليومية معظم مواردها المالية.
وأظهر رصد حديث للأسواق السورية ارتفاع أسعار الحقائب والدفاتر والأقلام ومختلف أدوات القرطاسية، فيما وصلت الزيادة في أسعار بعض الأصناف إلى نحو 100 بالمئة مقارنة بمستويات سابقة، وسجلت الحقائب المدرسية تفاوتاً كبيراً في أسعارها تبعاً للجودة والمنشأ.
تراكم الاحتياجات يضغط على ميزانية الأسرة
وبيّن سيف الدين أن العبء المالي لا ينتج عن ارتفاع سعر سلعة واحدة، بل عن تراكم عشرات الاحتياجات الصغيرة، من الحقائب والدفاتر والأقلام إلى الأدوات الهندسية والألوان والمستلزمات الفنية واللباس المدرسي والأحذية، وهو ما يصبح أكثر وضوحاً لدى الأسرة التي لديها ثلاثة أو أربعة أو خمسة أبناء في المدارس.
وأضاف أن المشكلة لدى الأسر الأشد فقراً تتجاوز القدرة على شراء المستلزمات، لتصل إلى تحديد الاحتياجات الأساسية التي ستضطر العائلة إلى تأجيلها أو خفض الإنفاق عليها مقابل تأمين متطلبات أبنائها الدراسية، ما يدفع العديد من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المالية مع بداية العام الدراسي.
وحذر سيف الدين من أن الأسرة التي تواجه أساساً صعوبة في تأمين الغذاء أو دفع الإيجار أو تكاليف العلاج قد تجد نفسها مضطرة إلى تقليص الإنفاق على بعض هذه الاحتياجات لتغطية نفقات المدرسة، فيما يمكن أن تتحول الضغوط الاقتصادية في الحالات الأكثر صعوبة إلى عامل يزيد مخاطر التسرب من التعليم.
وتلجأ الأسر للتخفيف من هذه الأعباء إلى إعادة استخدام الحقائب والأدوات التي لا تزال صالحة، وتبادل الكتب أو شرائها مستعملة بأسعار منخفضة، والاستفادة من الملابس والحقائب المستخدمة سابقاً داخل العائلة أو بين الأقارب والجيران.
وتعتمد عائلات أخرى على شراء الحد الأدنى من الأدوات وتأجيل المستلزمات الأقل ضرورة، بالتوازي مع البحث عن التخفيضات والعروض والمهرجانات التي توفر القرطاسية والاحتياجات المدرسية بأسعار أقل.
مقترحات لدعم الأسر الأكثر احتياجاً
وأكد سيف الدين أن مساعدة الأسر محدودة الدخل تتطلب الانتقال من المبادرات الفردية والمتفرقة إلى برامج دعم منظمة ومستمرة، مقترحاً توزيع حقائب مدرسية متكاملة مجاناً على الأطفال الأكثر احتياجاً، وإنشاء صناديق مدرسية مجتمعية لجمع الحقائب والكتب والألبسة المستعملة وفرزها وإعادة توزيعها.
واقترح كذلك توفير القرطاسية الأساسية بسعر التكلفة أو من خلال دعم جزئي تقدمه المدارس والجمعيات والتعاونيات، إلى جانب تقديم قسائم أو مساعدات نقدية تعليمية للأسر الأشد فقراً، بما يسمح للعائلة باختيار الاحتياجات الفعلية لأطفالها بدلاً من الحصول على مستلزمات قد لا تتناسب مع متطلباتهم.
وشدد على أهمية تشجيع تبادل الكتب والزي المدرسي والأدوات بين الطلاب في نهاية كل عام، مع منح الأولوية في برامج الدعم للعائلات التي تضم عدة أطفال في سن الدراسة، والأيتام، والأسر التي لا تمتلك مصادر دخل ثابتة.
وأشار سيف الدين إلى أن نفقات التعليم لا تتوقف بانتهاء مرحلة تجهيز الطالب في بداية العام، ما يستدعي توفير الكتب والمستلزمات بصورة كافية داخل المدارس لتجنب تحميل العائلات نفقات يمكن للمنظومة التعليمية توفيرها، إلى جانب توسيع برامج الدروس المجانية لتخفيف الأعباء المستمرة خلال العام.
وتبرز بعض المبادرات المحلية نموذجاً لمحاولات تخفيف هذه الأعباء، إذ أطلقت في حمص نهاية آب/أغسطس مبادرة لتوزيع ثمانية آلاف حقيبة مدرسية مجهزة بالقرطاسية، استهدفت بصورة خاصة الأيتام والأسر الأكثر احتياجاً والمدارس الموجودة في الأحياء محدودة الدخل.
وأكد سيف الدين أن ارتفاع أسعار المستلزمات المدرسية خلال عام 2026 لا يمثل مجرد زيادة في كلفة بند استهلاكي موسمي، وإنما يشكل ضغطاً إضافياً على قدرة الأسرة السورية على الموازنة بين الإنفاق على الغذاء والصحة والسكن والتعليم في الوقت نفسه.
ولفت إلى أن الأسر الأشد فقراً تبقى الأكثر اضطراراً إلى استخدام المستلزمات القديمة وشراء المستعمل وتقليل الكميات أو الاعتماد على التبرعات، معتبراً أن الاستجابة الأكثر فاعلية تكمن في توفير حزمة دعم تعليمية متكاملة تستهدف الطفل والأسرة والمدرسة معاً، بدلاً من الاكتفاء بخفض أسعار بعض الأدوات بصورة منفردة.
وتواصل الأسر السورية، مع انطلاق العام الدراسي، البحث عن خيارات تساعدها على تأمين احتياجات أبنائها التعليمية بأقل كلفة ممكنة، وسط تفاوت كبير في قدرتها على تحمل هذه النفقات، فيما تبقى العائلات محدودة الدخل والتي تضم أكثر من طالب الأكثر تأثراً بالأعباء المالية المرتبطة بالعودة إلى المدارس.