السخرية من شاب بسبب جلابيته تعيد تسليط الضوء على التنمر وتأثيره في الهوية والانتماء
أعادت حادثة تعرض الشاب "وسيم" للسخرية والتنمر بعد انتشار صورة له على منصات التواصل الاجتماعي بسبب ارتدائه الجلابية في ساحة الأمويين في دمشق، النقاش حول ظاهرة التنمر التي تطال أشخاصاً بسبب مظهرهم أو لهجاتهم أو عاداتهم وتقاليدهم، وما يمكن أن تتركه هذه الممارسات من آثار نفسية واجتماعية تتجاوز حدود التعليقات العابرة.
وتكشف مثل هذه الحوادث أن السخرية، عندما تتكرر أو تستهدف جانباً مرتبطاً بهوية الشخص، قد تتحول إلى إساءة تؤثر في شعوره بالكرامة والانتماء، وتدفعه أحياناً إلى تغيير مظهره أو طريقة كلامه وسلوكه لتجنب التعرض للإهانة، ما يفتح الباب أمام الحديث عن الفرق بين المزاح المتبادل والسخرية المؤذية، وأهمية احترام التنوع في اللباس واللهجات والعادات بوصفه جزءاً طبيعياً من المجتمع.
السخرية من الاختلاف تتحول إلى عنف اجتماعي
قال عابد حيدر، خريج علم اجتماع، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن السخرية ظاهرة متوارثة بين الأجيال وموجودة بدرجات مختلفة في معظم المجتمعات، موضحاً أن جوهر المشكلة لا يرتبط بوجودها فقط، وإنما بالطريقة التي يتعامل بها المجتمع معها والوظيفة التي تؤديها داخل العلاقات الاجتماعية.
وأوضح حيدر أن السخرية لا تقتصر على المظهر أو اللهجة، بل يمكن أن تمتد إلى العادات والتقاليد وأنماط الحياة واللباس وحتى طريقة التفكير، وقد يستخدمها البعض لإظهار عاداتهم باعتبارها أكثر تطوراً، مقابل تصوير عادات الآخرين على أنها بالية أو متخلفة، وعندها تتحول السخرية من وسيلة للضحك إلى أداة للحكم على الآخر ووضعه في مرتبة اجتماعية أدنى.
وأشار إلى أن بعض أشكال السخرية تقترب من العنف الرمزي، لأنها تحقق أثرها من خلال اللغة والتهكم والأحكام المسبقة، مضيفاً أن بعض الأشخاص قد يستخدمونها لإثبات الفوقية والسيطرة، من خلال وضع أنفسهم في موقع من يحدد ما هو مقبول وما هو متخلف، وما هو متحضر وما هو غير ذلك.
وبيّن حيدر أن السخرية تتحول إلى تنمر اجتماعي عندما يصبح شخص ما هدفاً متكرراً لها، أو عندما تستهدف جانباً لا يستطيع تغييره بسهولة، مثل لهجته أو مظهره أو أصله أو عاداته، مشدداً على أن المزاح يبقى مزاحاً عندما يكون متبادلاً ويشعر جميع أطرافه بالأمان، أما عندما يجعل شخصاً يشعر بأنه أقل من الآخرين أو يدفعه إلى إخفاء جزء من هويته، فإنه يتجاوز حدود المزاح إلى التنمر والعنف الاجتماعي.
ولفت إلى أن آثار هذه الممارسات لا تتوقف عند الشخص المستهدف فقط، بل قد تمتد إلى علاقته بالمجتمع وشعوره بالانتماء إليه، إذ يمكن أن يدفعه تكرار السخرية إلى تغيير طريقة كلامه أو لباسه أو سلوكه لتجنب التعرض لها، كما قد يفقده الثقة بمحيطه ويحد من رغبته في المشاركة والتعبير عن نفسه.
وأضاف أن استمرار هذه الأنماط قد يحول الاختلافات الطبيعية بين الناس إلى مراتب اجتماعية، بحيث يُصوَّر طرف على أنه أكثر تحضراً أو أخلاقاً أو مكانة من طرف آخر، وهو ما يعمق الانقسام بدلاً من أن يجعل التنوع مساحة للتعارف والتفاعل.
الإعلام والثقافة في مواجهة الصور النمطية
أكد حيدر أن مواجهة المشكلة لا تقتصر على مطالبة الناس باحترام بعضهم، وإنما تتطلب بناء ثقافة ترى الاختلاف جزءاً طبيعياً من المجتمع، لافتاً إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي والتلفزيون والمسرح والمبادرات الثقافية والتعليمية يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في تقديم التنوع بوصفه قيمة اجتماعية وثقافية، لا سبباً للسخرية أو وسيلة لإثبات التفوق.
وأوضح أن المسرح يمتلك قدرة خاصة على معالجة هذه القضايا من خلال القصص والشخصيات والمواقف بدلاً من الاكتفاء برسائل مباشرة، ما يساعد الجمهور على فهم المشكلة بطريقة إنسانية، كما يمكن للتلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي تقديم صور أكثر تنوعاً للمجتمع، تظهر أن اختلاف اللهجات والملابس والعادات لا يهدد الهوية، بل يشكل جزءاً من تكوينها.
وأكد أن احترام الاختلاف لا يعني الاتفاق على كل شيء، وإنما يعني التعامل مع اختلاف الإنسان في لهجته أو لباسه أو عاداته باعتباره أمراً طبيعياً لا ينتقص من قيمته، وعندما يتحول هذا الفهم إلى ممارسة يومية، يصبح التنوع عاملاً للتلاحم بدلاً من أن يكون سبباً للسخرية والانقسام.
التنمر يمس الكرامة ويضعف الإحساس بالانتماء
من جهته، قال براء الجمعة، اختصاصي نفسي ومؤسس منصة "إصغاء"، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن التنمر المتكرر المرتبط باللباس أو اللهجة أو المنطقة لا يتوقف عند الكلمات الجارحة، بل يمكن أن يمس بصورة مباشرة شعور الإنسان بالكرامة والأمان والانتماء.
وأوضح الجمعة أن الشخص المستهدف قد يمر في البداية بمشاعر من الإحراج والغضب والقلق، ويصبح أكثر ترقباً لنظرات المحيطين به، وقد يبدأ بتجنب بعض الأماكن أو المواقف خشية تكرار الإهانة، ومع استمرار الاستهداف قد يراقب طريقة كلامه وهيئته ومظهره بصورة مبالغ فيها، ما يفقده عفويته وراحته في الظهور بطبيعته.
وأضاف أن خطورة التنمر المناطقي تكمن في تجاوزه حدود السخرية العابرة إلى انتقاص مباشر من الهوية والانتماء، ومع تكرار هذه الرسائل قد يبدأ الشخص المستهدف بتبني نظرة المتنمر، فيشعر بالخجل من تاريخه وبيئته، ويدخل في صراع بين الحفاظ على هويته وبين تغيير مظهره أو سلوكه لتجنب الإقصاء.
وأشار إلى أن الأزياء واللهجات والعادات في سوريا تحمل موروثاً متنوعاً، ولذلك فإن السخرية منها قد توسع الشروخ المجتمعية وتحول الاختلافات الطبيعية إلى تراتبية تقوم على التفوق والدونية، ما ينعكس سلباً على العلاقات بين الأفراد والمجتمعات المحلية.
وبيّن الجمعة أن السخرية من لباس الإنسان أو لهجته قد تبدو تعليقاً على مظهر عابر، لكنها من الناحية النفسية تمس جانباً مرتبطاً بالهوية والذاكرة والانتماء، لأن الجلابية واللهجة وطريقة التعبير ترتبط بالبيئة والتاريخ والذاكرة الشخصية، وبالتالي فإن الانتقاص منها قد يُفهم بوصفه انتقاصاً من الشخص نفسه.
وأضاف أن تكرار الإساءة قد يدفع الفرد إلى مراجعة لهجته قبل الكلام أو مظهره قبل الخروج، وتجنب الأماكن التي يخشى فيها الأحكام المسبقة، فيتحول تغيير سلوكه إلى محاولة لتجنب الرفض بدلاً من أن يكون نابعاً من رغبة شخصية واختيار حر.
استعادة الثقة تبدأ من احترام الهوية
أكد الجمعة، في تصريح خاص لشبكة شام، أن استعادة الثقة لا تعني تدريب الشخص المستهدف على "تحمل السخرية"، وإنما مساعدته على إدراك أن هويته لا تحتاج إلى اعتذار، وأن اختلاف البيئات والأزياء واللهجات لا يمنح أحداً الحق في الإقصاء أو الاحتقار.
وأشار إلى أن مواجهة التنمر والمناطقية تحتاج إلى دور يتجاوز التوعية الفردية ليشمل المؤسسات التعليمية والإعلامية، من خلال تفكيك الصور النمطية والتوقف عن تقديم اللهجات والأزياء والثقافات المحلية بطريقة ساخرة أو تنتقص منها.
وأضاف أن المناهج المدرسية والخطاب الإعلامي يمكن أن يساهما في ترسيخ ثقافة ترى التنوع السوري غنىً تاريخياً وثقافياً، لا سبباً للمفاضلة بين الناس، فيما يمكن على مستوى الفرد والمحيط الاجتماعي مواجهة التنمر عبر كسر صمت الشهود، لأن التفرج على الإساءة أو تمريرها قد يُفهم على أنه قبول ضمني بها.
وشدد على أن التدخل الإيجابي ودعم الشخص المستهدف يسهمان في الحد من السلوك المتنمر وتحديد ما هو مقبول اجتماعياً، مؤكداً أن احترام الاختلاف يبدأ بمنح الإنسان كرامته وقيمته بمعزل عن جذوره الجغرافية أو لباسه أو لهجته.
ويبقى حضور شخص إلى مدينة بلباسه المعتاد ولهجته التي نشأ عليها أمراً طبيعياً في مجتمع متنوع، فيما تكمن المشكلة في ثقافة الاستعلاء التي تحول الاختلاف إلى وسيلة للإقصاء، ما يجعل مواجهة التنمر مرتبطة ببناء وعي اجتماعي يحترم حق كل فرد في الحفاظ على هويته دون أن تكون موضعاً للسخرية أو الانتقاص.