بين الدين والتاريخ وتقلبات الحياة: كيف تختار العائلات السورية أسماء أطفالها
بين الدين والتاريخ وتقلبات الحياة: كيف تختار العائلات السورية أسماء أطفالها
● مجتمع ٣١ مارس ٢٠٢٦

بين الدين والتاريخ وتقلبات الحياة: كيف تختار العائلات السورية أسماء أطفالها

تعتبر تسمية المواليد من القرارات الهامة التي تشغل الأسرة في سوريا، إذ يسعى الوالدان جاهدين لاختيار اسماً يليق بالطفل ويستند إلى سبب محدد لاختياره، سواء ارتبط بالدين أو الثقافة أو حدث اجتماعي معين، ما يعكس مكانة الاسم في الهوية الشخصية والاجتماعية، كما تظل هذه المرحلة محورية في حياة الأسرة.

عادةً، يختار الأهل اسم المولود بعد الكشف عن جنسه خلال فترة الحمل، سواء كان ذكراً أم أنثى، بينما تفضل عائلات أخرى تأجيل الموضوع إلى ما بعد الولادة مباشرة، وقد يحدث في بعض الحالات أن تحدد الأسرة اسماً مسبقاً ثم تغيّره لاحقاً نتيجة ظروف طارئة أو اعتبارات جديدة حصلت، ما يعكس حساسية اختيار الاسم وأهميته لدى العائلة.

وتتعدد العوامل التي تؤثر في اختيار الاسم، فبعض العائلات تميل إلى تسمية أبنائها بأسماء شخصيات تاريخية بارزة تركت أثراً واضحاً، مثل صلاح الدين الأيوبي الذي قاد معركة حطين، ومحمد الفاتح الذي فتح القسطنطينية، وطارق بن زياد الذي فتح الأندلس، وغيرها من الشخصيات التي ارتبطت بانتصارات شكلت محطات مهمة في التاريخ.

في هذا السياق، يقول محمد المصطفى، 60 عاماً، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إنه كان معجباً بشخصية صلاح الدين الأيوبي، الذي تمكن من تحرير بيت المقدس والمسجد الأقصى من احتلال الصليبين، وازداد تعلقه بهذا الاسم بعد مشاهدته لعمل فني تاريخي يتناول قصته، لذلك أطلق الاسم على ابنه متمنياً أن يكون شجاعاً مثله في المستقبل، إلا أن الطفل توفي عن عمر يناهز 13 عاماً بسبب مرض مفاجئ.

وبجانب التأثر بالتاريخ، تتأثر تسمية المواليد أحياناً بالميول السياسية لدى بعض العائلات، التي تختار إطلاق أسماء شخصيات سياسية أو رئاسية بارزة على أبنائها، تقديراً لمكانتها أو لدورها في المجتمع، وقد تشمل هذه الأسماء رؤساء سابقين أو حاليين أو شخصيات حكومية شهيرة أثرت في الحياة العامة.

فخلال فترة الوحدة بين مصر وسوريا (1958-1961)، انتشر في سوريا اسمَي "جمال" و"ناصر"، تعبيراً عن تقدير الأهالي وإعجابهم بشخصية الرئيس المصري السابق جمال عبد الناصر.

كما تميل بعض العائلات إلى اختيار أسماء تحمل طابعاً دينياً، ففي العائلات المسلمة تتكرر أسماء مثل فاطمة، محمد، أحمد، ومحمود، بينما تختار الأسر المسيحية غالباً أسماء مثل جورج، ميخائيل، بطرس، وأنطون وغيرها.

في حالات أخرى، يفضل الأزواج إطلاق أسماء آبائهم على أبنائهم، فغالباً ما يُسمى الابن البكر باسم جده، والابنة الكبرى باسم جدتها، وكان من الشائع أن الشخص الذي لا يلتزم بذلك ينزعج الوالدان منه ويتعرض للنقد من قبل الآخرين، فيما بعد شهد هذا التقليد بعض التراجع نتيجة ميول العائلات لاختيار أسماء أكثر حداثة لأبنائهم.

ويروي عبد القادر حاج محمد، 50 عاماً، لـ شام قصة حصلت معه قبل خمسة وعشرين عاماً، قائلاً إن والدته كانت تُدعى 'نعوس'، مشيراً إلى أنه لو كان اسمها مختلفاً لاختار إطلاقه على ابنته، لكنه رأى أن 'نعوس' لا معنى له وغير مقبول، وخشي ألا تسامحه ابنته مستقبلاً لو أطلق عليها هذا الاسم. 

ويضيف أنه اختار في النهاية اسم 'إكرام' الذي يحمل معنى أفضل وطابعاً دينياً، منوهاً إلى أن والدته شعرت بالانزعاج في البداية ولم تزره لتهنئته بالمولودة، واستمرت في ملامته لفترة قصيرة، قبل أن تُنسى المسألة وتعود الأمور بينهما إلى طبيعتها.

في حالات أخرى، يميل الأهل أحياناً إلى تسمية أبنائهم بأسماء أقارب رحلوا عن الحياة، تعبيراً عن الوفاء لهم وإحياء لذكراهم داخل الأسرة، كما قد يستلهمون أسماء شخصيات ناجحة من الوسط المحيط، متمنين أن يحظى أبناؤهم بنفس النجاح والتميز.

ولا تقتصر مصادر الأسماء على العائلة فقط، فالأهل أحياناً يختارون أسماء مستوحاة من الفنانين أو الشخصيات التي ظهرت في أعمال فنية حظيت بمتابعة وشهرة، أو أسماء جديدة ذُكرت في مسلسلات وبرامج تلفزيونية، تعبيراً عن إعجابهم أو تأثرهم بها.

تشير ابتهال العمر، 50 عاماً، إلى أنها عندما كانت حاملاً بابنتها الأولى كانت تسمع عن معلمة في قريتها تُدعى ولاء، معروفة بثقافتها وترتيب منزلها، مضيفة أنها عندما التقت بها وجهاً لوجه أُعجبت بجمالها وأسلوب حديثها، فقررت أن تُسمي ابنتها على اسمها، متمنية أن تشبهها في أخلاقها ومستقبلها.

ومع ظهور منصات التواصل الاجتماعي، أصبح بإمكان الأهالي الوصول إلى مجموعة واسعة من الأسماء ومعانيها، والتعرف على الأكثر انتشاراً والأكثر قبولاً اجتماعياً، مقارنة بالماضي حين كان الأهل يسألون الأقارب ويجمعون الأسماء على ورقة قبل الاختيار، فبات بإمكانهم اليوم تصفح قوائم متعددة واختيار الاسم الأنسب لأبنائهم بسهولة ومرونة.

وقد تركت الثورة السورية وأحداثها أثراً واضحاً في اختيار أسماء المواليد، حيث فضّلت العديد من العائلات أن تطلق على أبنائها أسماء شهداء استشهدوا خلال سنوات الثورة، تخليداً لذكراهم وتعبيراً عن التقدير والتأثر بهذه التضحيات.

كما أطلق بعض الأهالي على أبنائهم أسماء تعكس الظروف القاسية التي مرت بها البلاد خلال السنوات الماضية، مثل هاجر وفراق، تعبيراً عن تجاربهم وتأثير النزوح والغربة على حياتهم.

وشهد اسم 'بشار' تراجعاً كبيراً في التداول في المناطق التي لم تكن خاضعة لسيطرته قبل التحرير، إذ لم يقتصر الأمر على معارضة سياسة النظام القمعية فحسب، بل أصبح كثير من الأهالي يتجنبون إطلاق هذا الاسم على أبنائهم، مما يعكس التأثير الذي قد يتركه الشخص نفسه بالاسم الذي يحمله.

وخلال معركة ردع العدوان التي قادت إلى النصر وإسقاط نظام الأسد، كثرت الأحاديث والأخبار عن طائرات 'شاهين' المسيّرة ودورها الحاسم في المعركة، فاختارت بعض العائلات إطلاق اسم 'شاهين' على مواليدها، بينما أطلق آخرون أسماء مرتبطة بالانتصار مثل 'نصر' على الأبناء.

ويشير الباحثون الاجتماعيون إلى أن اختيار الأسماء ليست وسيلة للتمييز بين الأفراد فقط، وإنما انعكاس للقيم والمعتقدات والميول الثقافية والاجتماعية للعائلة، ويساهم في تشكيل الهوية الشخصية والاجتماعية للطفل منذ ولادته، كما يوضح طبيعة البيئة التي ينشأ فيها والأحداث التي تؤثر على الأسرة والمجتمع المحيط.

ويظل اختيار اسم المولود في سوريا تقليداً اجتماعياً يجمع بين الثقافة والدين والتأثر بالأحداث المحيطة، ويعكس ميول العائلة وقيمها، ويمنح الاسم دلالة ومعنى لا يقتصر على مجرد التسمية، بل يصبح جزءاً من هوية الشخص عندما يكبر وروابطه الأسرية والاجتماعية.

الكاتب: فريق العمل - سيرين المصطفى
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ