بين الدمار وتكاليف البناء… السوريون يواجهون أزمة السكن المستقر
يفتقر آلاف السوريين إلى مسكن ثابت نتيجة الظروف القاسية التي مرّوا بها خلال السنوات الماضية، بعد أن فقدوا منازلهم جراء القصف من قبل قوات النظام البائد وما خلّفه من دمار واسع طال الأحياء السكنية.
وبينما لا يزال كثيرون يقيمون في المخيمات بانتظار تحسّن الظروف وإمكانية العودة، عاد آخرون إلى مناطقهم، إلا أنهم ما يزالون يعيشون في خيام أو مساكن مؤقتة تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العيش المستقر، في وقت تبرز فيه تحديات إعادة البناء وارتفاع تكاليفه كعائق رئيسي أمام استعادة الحياة الطبيعية.
في هذا السياق، قالت المهندسة المدنية نادرة العلوان، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن من أبرز العوائق التي تحول دون تمكّن الأهالي من إعادة بناء منازلهم ارتفاع تكاليف مواد البناء وأجور العمالة مقارنةً بقدرات السكان المادية، إلى جانب ضعف فرص العمل ومحدودية مصادر الدخل.
وبينت أن كثيراً من العائلات استنفدت مدخراتها خلال سنوات النزوح، ما يجعل تأمين تكاليف البناء أمراً بالغ الصعوبة، ولفتت إلى أن البعض يواجه تحديات تتعلق بتأمين التمويل أو الحصول على الدعم اللازم لإعادة الإعمار، وذكرت كذلك الأضرار الكبيرة التي لحقت بالبنية التحتية والخدمات الأساسية في بعض المناطق، الأمر الذي يبطئ عملية إعادة البناء وعودة الحياة الطبيعية.
وأضافت أن ارتفاع أسعار مواد البناء وأجور اليد العاملة أثر بشكل كبير ومباشر على عمليات إعادة البناء، وأوضحت أن تكلفة إنشاء أو ترميم منزل أصبحت تفوق قدرة الكثير من العائلات، وأكدت أن حتى الأسر التي تمتلك الرغبة في إعادة بناء منازلها تجد نفسها عاجزة عن تأمين المبالغ المطلوبة، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وضعف مصادر الدخل.
وتحدثت أنه من خلال المتابعة الميدانية يمكن القول إن أسعار مواد البناء شهدت ارتفاعات كبيرة خلال السنوات الماضية، وإن كانت النسب تختلف بحسب نوع المادة وظروف السوق وسعر الصرف.
ولفتت إلى أنه في بعض الحالات تضاعفت أسعار بعض المواد عدة مرات مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات، وشددت على أن أجور العمالة ارتفعت نتيجة نقص الأيدي العاملة الماهرة وارتفاع تكاليف المعيشة، وأفادت بأن هذه العوامل مجتمعة أدت إلى تباطؤ عمليات إعادة الإعمار، واضطرار كثير من الأهالي إلى تأجيل البناء أو الاكتفاء بترميمات جزئية تلبّي الاحتياجات الأساسية فقط.
وأضافت أنه في ظل ارتفاع تكاليف البناء وصعوبة إعادة الإعمار، يلجأ كثير من الأهالي إلى حلول مؤقتة لتأمين المأوى، مثل ترميم أجزاء بسيطة من المنازل المتضررة وجعلها صالحة للسكن، أو الإقامة في منازل مستأجرة رغم الأعباء المادية.
ونوهت إلى أن بعض العائلات ما تزال تعتمد على المساكن المؤقتة أو التجمعات السكنية التي أُنشئت بدعم من الجهات الإنسانية، وأكدت أن هذه الحلول تساعد في تلبية الاحتياجات الأساسية لكنها تبقى مؤقتة ولا تعوّض الاستقرار الذي يوفره السكن الدائم.
وأوضحت أن الظروف المعيشية الصعبة تدفع في كثير من الأحيان الأهالي للبحث عن أسرع وأقل الحلول تكلفة، ولفتت إلى أن هذا أمر مفهوم، لكنها شددت على أن البناء غير المدروس قد يسبب مشكلات خطيرة لاحقاً، فقد تظهر تشققات أو مشاكل في الأساسات والجدران، ومع الوقت قد تضعف سلامة المبنى وتزداد تكاليف إصلاحه.
وأكدت أنه من المهم أن تتم أعمال البناء أو الترميم وفق أسس هندسية صحيحة حتى لو كانت الإمكانات محدودة، لأن الهدف ليس فقط تأمين سقف للسكن، بل تأمين مسكن آمن يحافظ على سلامة العائلات على المدى الطويل.
وشددت على أنها تنصح الأهالي، حتى مع محدودية الإمكانات، بألا يتهاونوا في الأمور الأساسية المتعلقة بسلامة البناء، مثل التأكد من سلامة الأساسات والعناصر الإنشائية والاستعانة بمهندس أو فني مختص قدر الإمكان قبل البدء بأي أعمال بناء أو ترميم، وبينت أن التخطيط الجيد من البداية يوفّر الكثير من التكاليف والمشكلات لاحقاً.
وأضافت أنه من الضروري إعطاء الأولوية لجودة العناصر الأساسية التي تؤثر على أمان المبنى، حتى لو اضطروا إلى تأجيل بعض الأعمال الثانوية أو التشطيبات إلى مرحلة لاحقة، مؤكدة أن المهم هو إنشاء مسكن آمن ومستقر يمكن تطويره وتحسينه مع الوقت وفق الإمكانات المتاحة.
وذكرت أنها من خلال عملها ووجودها بين الناس ترى يومياً حجم المعاناة التي خلفتها سنوات الحرب، ولفتت إلى أنها ترى أيضاً إصراراً كبيراً على الحياة وإعادة البناء، وأكدت أنه رغم كل الصعوبات ما زال كثير من الأهالي يحاولون ترميم منازلهم واستعادة استقرارهم خطوة بخطوة، ونوهت إلى أنها تتمنى أن تحظى هذه الجهود بمزيد من الدعم، لأن كل منزل يُعاد بناؤه هو قصة أمل جديدة لعائلة تسعى للعيش بكرامة وأمان.
وأفاد عدد من الأهالي الذين التقت بهم شام أن غياب المنزل المستقر ترك آثاراً كبيرة على حياتهم اليومية، مشيرين إلى أنه حمّلهم أعباء إضافية وحرمهم من الشعور بالأمان والاستقرار، ولفتوا إلى أن هذا الواقع انعكس بشكل خاص على خصوصية النساء داخل الأسرة، في ظل العيش ضمن خيام أو مساكن مؤقتة تفتقر إلى المساحة والخصوصية.
وأضافوا أن الأطفال تأثروا بدورهم، حيث قيّد غياب البيئة المستقرة حركتهم الطبيعية وأثر على نمط حياتهم اليومي، بينما ذكروا أن التفكير بإعادة بناء المنزل بات هاجسهم الدائم، وأصبح الشغل الشاغل لهم في ظل غياب حلول قريبة تضمن لهم الاستقرار.
يبقى غياب السكن المستقر واقعاً ينعكس بشكل مباشر على حياة آلاف الأسر التي فقدت منازلها خلال سنوات الثورة، حيث تتوزع حياتهم بين المخيمات والمساكن المؤقتة ومحاولات العودة الجزئية إلى مناطقهم.
ويستمر هذا الواقع في فرض نمط حياة مليء بالتنقل وعدم الاستقرار، وسط صعوبات يومية تتعلق بالمسكن والمعيشة والخصوصية والأمان، إضافة إلى التحديات المرتبطة بإعادة البناء وارتفاع تكاليفه، وفي المقابل، يواصل الكثير من الأهالي البحث عن حلول تتيح لهم استعادة منازلهم وتأمين حد أدنى من الاستقرار المعيشي.