النقد الذاتي بين التقييم البنّاء والوقوع في جلد الذات
النقد الذاتي بين التقييم البنّاء والوقوع في جلد الذات
● مجتمع ١٠ أغسطس ٢٠٢٦

النقد الذاتي بين التقييم البنّاء والوقوع في جلد الذات

أحياناً يشعر الإنسان بعدم الرضا عن إنجازاته أو مستوى أدائه، فيبدأ بانتقاد نفسه داخلياً، وقد يكون هذا النقد طبيعياً ومفيداً في بعض الحالات، لكنه في أحيان أخرى يتسم بالقسوة، حيث لا يرحم الفرد نفسه ولا يمنحها حقها من التقدير، ما قد يقوده إلى مرحلة جلد الذات، الأمر الذي ينعكس سلباً على حالته النفسية وثقته بنفسه.

ما هو النقد الذاتي؟
قالت سُميّة محمد عبد الفتّاح، الاختصاصية النفسية والمحاضرة في قسم الإرشاد النفسي بجامعة حلب، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن النقد الذاتي هو العملية المعرفية التي يراجع فيها الفرد أداءه وسلوكياته ويقيّمها وفق معاييره الشخصية.

وأشارت إلى أنه قد يصبح دائماً ومستمراً حتى في المواقف البسيطة، فيحمّل نفسه ما لا تستحق ويعيد كل ما يحصل من سوء إلى ذاته وكأنها المسبب لكل شيء، وهنا يتحول إلى جلد للذات فيركز على عيوبه الشخصية بدلاً من السلوك، ويستخدم عبارات مطلقة مثل: "أنا فاشل"، "لن أنجح أبداً"، ويتجاهل النجاحات ويضخم الأخطاء، ما يؤدي إلى الشعور المزمن بالذنب أو الخزي أو انعدام القيمة، ويضعف الدافعية بدلاً من تعزيزها.

وأضافت أن جلد الذات، من المنظور المعرفي، يرتبط بتحيزات وتشوهات معرفية مثل التعميم المفرط، والتصفية الذهنية التي تركز على الجوانب السلبية وتتجاهل الإيجابيات.

وأشارت سمية عبد الفتاح إلى أن الأدبيات النفسية توضح أن جلد الذات ينشأ نتيجة تفاعل عوامل نمائية ومعرفية وشخصية واجتماعية، ومن أبرزها أساليب التنشئة مثل التعرض للنقد المستمر، والمقارنة المتكررة مع الآخرين، والحب أو القبول المشروط بالإنجاز، والتربية القائمة على العقاب واللوم، حيث قد تتحول هذه الخبرات مع الوقت إلى صوت داخلي ناقد يتبناه الفرد ويؤمن به وتنصقل معه.

ونوهت إلى أن الكمالية تُعد من العوامل المهمة، إذ إن الأشخاص ذوي المعايير المرتفعة جداً لأنفسهم يميلون إلى اعتبار أي خطأ دليلاً على الفشل، مما يزيد من شدة النقد الذاتي، وبينت أن انخفاض تقدير الذات يسهم كذلك في زيادة قابلية الفرد لتصديق أفكاره السلبية والناقدة لذاته، فكلما كانت الصورة الذاتية هشة، أصبح الشخص أكثر عرضة لذلك.

ولفتت إلى أن الخبرات الصادمة أو الرفض الاجتماعي، مثل التنمر أو الإساءة النفسية أو الإهمال، تسهم في ترسيخ معتقدات سلبية حول الذات، وذكرت أن من بين الأسباب أيضاً الاستعدادات الشخصية، مثل الحساسية المرتفعة للنقد، والميل إلى اجترار الأفكار السلبية.

وتحدثت الاختصاصية سمية عن العوامل الثقافية والاجتماعية، موضحة أنه في بعض البيئات التي تبالغ في الإنجاز أو المثالية، قد يتعلم الفرد أن قيمته مرتبطة بالكمال، مما يزيد من احتمال جلد الذات.

 وأوضحت أن النقد الذاتي المفرط لا يقتصر تأثيره على المشاعر، بل يمتد إلى الجوانب المعرفية والسلوكية والانفعالية، فقد يؤدي إلى زيادة احتمالية الإصابة بالاكتئاب، وارتفاع مستويات القلق، والشعور المستمر بالخزي والذنب، وانخفاض الشعور بالكفاءة الذاتية والخوف من الفشل، إضافة إلى تجنب التجارب الجديدة والاعتماد المفرط على تقييم الآخرين، وأكدت أن استمرار الحوار الداخلي القاسي قد يخلق حلقة مفرغة، إذ يؤدي انخفاض الثقة بالنفس إلى مزيد من النقد الذاتي، والذي يضعف الثقة أكثر.

وشددت على أن هناك فرقاً واضحاً بين النقد الذاتي الصحي وجلـد الذات؛ فالنقد الصحي يركز على السلوك، ويكون مؤقتاً ومرتبطاً بالموقف، ويساعد على التعلم، ويتضمن حلولاً وخططاً للتحسين، ويحافظ على احترام الذات، ويعترف بالنجاحات والأخطاء معاً، ويزيد الدافعية، في حين أن جلد الذات يهاجم الشخص لا السلوك، ويكون مستمراً ويشمل معظم المواقف، ويعيق التعلم والتقدم، ويقتصر على اللوم والإدانة، ويضعف احترام الذات، ويركز على الأخطاء فقط، ويؤدي إلى الإحباط والاستسلام.

وأفادت الاختصاصية سمية بأن الشخص قد لا يدرك أنه يمارس جلد الذات، لأن هذا الأسلوب يصبح جزءاً معتاداً من حواره الداخلي، ومن أبرز المؤشرات على ذلك: الاعتذار المفرط دون سبب منطقي، والتقليل المستمر من الإنجازات، وصعوبة تقبل المديح لاعتقاده أنه لا يستحق، ومقارنة النفس بالآخرين بصورة متكررة، وتضخيم الأخطاء الصغيرة، واستخدام أوصاف سلبية للنفس بشكل دائم، وتوقع الفشل قبل البدء بأي تجربة، والشعور بعدم الاستحقاق رغم النجاح، ولوم الذات عن أحداث لا تقع بالكامل ضمن مسؤوليته.

عوامل تقليل النقد الذاتي السلبي 
وقالت سمية عبد الفتاح في تصريح خاص لـ شام إن تقليل النقد الذاتي السلبي وبناء حوار داخلي أكثر توازناً يبدأ بملاحظة الحوار الداخلي، حيث تعد هذه الخطوة الأولى من خلال زيادة الوعي بالأفكار الناقدة دون الاندماج معها، عبر تسجيلها أو مراقبتها عند ظهورها.

وأضافت أن إعادة البناء المعرفي تتم من خلال مراجعة صحة الأفكار الناقدة عبر طرح أسئلة مثل: ما الدليل على صحة هذه الفكرة؟ هل أقيّم نفسي أم سلوكي؟ وهل توجد تفسيرات أخرى للموقف؟

وأشارت إلى أهمية استبدال اللغة القاسية بلغة أكثر توازناً، فبدلاً من قول: "أنا فاشل"، يمكن القول: "لم أنجح هذه المرة، ويمكنني تحسين أدائي"، ونوهت إلى ضرورة ممارسة التعاطف مع الذات، من خلال التعامل مع النفس باللطف نفسه الذي يُعامل به الفرد صديقاً يمر بالموقف ذاته، مع الاعتراف بأن الخطأ جزء طبيعي من الخبرة الإنسانية.

وبينت الاختصاصية النفسية أهمية التفريق بين السلوك والذات، فالفشل في موقف معين لا يعني أن الشخص فاشل، بل يعني أنه واجه تجربة لم تحقق النتيجة المرجوة، ولفتت إلى أهمية تقبل عدم الكمال، عبر تبني مفهوم أن الأداء الجيد كافٍ في كثير من المواقف، وأن السعي إلى الكمال المطلق غالباً ما يكون غير واقعي.

وذكرت أن توثيق النجاحات من خلال تسجيل الإنجازات اليومية، مهما كانت صغيرة، يساعد على موازنة الانحياز الطبيعي نحو التركيز على الأخطاء، وتحدثت عن العلاج النفسي عند الحاجة، وأوضحت أنه عندما يكون جلد الذات مزمناً أو مرتبطاً بالاكتئاب أو القلق أو الصدمات النفسية، فإن التدخل العلاجي، وخاصة العلاج المعرفي السلوكي، والعلاج المرتكز على التعاطف مع الذات، أو العلاج القائم على اليقظة الذهنية، قد يسهم في تعديل المعتقدات الجوهرية السلبية وبناء حوار داخلي أكثر مرونة.

يبرز النقد الذاتي كأحد الأنماط النفسية التي قد تتخذ أشكالاً متعددة، تتراوح بين المراجعة الإيجابية للأداء وبين التحول إلى جلد للذات، في ظل تأثير طريقة تقييم الأخطاء والإنجازات، وطبيعة الحوار الداخلي لدى الفرد.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ