من الصف إلى الذاكرة: ما الذي يجعل بعض المعلمين يتركون أثراً مستمراً في حياة الطلاب؟
من الصف إلى الذاكرة: ما الذي يجعل بعض المعلمين يتركون أثراً مستمراً في حياة الطلاب؟
● مجتمع ١٠ أغسطس ٢٠٢٦

من الصف إلى الذاكرة: ما الذي يجعل بعض المعلمين يتركون أثراً مستمراً في حياة الطلاب؟

تُعدّ مهنة التعليم من المهن الأساسية التي يرتبط أثرها المباشر بتكوين الفرد وبناء شخصيته، إذ لا يقتصر دور المعلم على نقل المعرفة، بل يمتد ليشمل التأثير في سلوك الطالب واتجاهاته نحو التعلم والحياة، وفي هذا السياق، يترك بعض المعلمين أثراً عميقاً في نفوس طلابهم، فيسهمون في تعزيز حب الدراسة والعلم والعمل، ويكون لهم دور في إحداث تحولات إيجابية في مسار حياتهم، الأمر الذي يجعل حضورهم ممتداً في الذاكرة رغم مرور السنوات.

في المقابل، هناك معلمون لا يتركون الأثر ذاته، إذ يُنسى حضورهم سريعاً دون أن ينعكس بشكل واضح على تجربة الطالب التعليمية أو النفسية، ويعود ذلك في جانب منه إلى أسلوب تعامل المعلم مع طلابه، ومدى اهتمامه ليس فقط بالمادة التي يدرّسها، وإنما أيضاً بالجانب الإنساني في العملية التعليمية، بما يشمل التفاعل، والدعم، وبناء العلاقة التربوية داخل الصف.

كيف يصنع المعلم أثراً دائماً في نفوس طلابه؟

قال الدكتور عبد الحي المحمود، نائب عميد كلية التربية الثانية في جامعة حلب، في حديث لشبكة شام الإخبارية،  إن المعلم الذي يبقى في ذاكرة الطالب ليس بالضرورة المعلم الذي كان يقدم أغزر المعلومات، وإنما غالباً المعلم الذي ترك أثراً إنسانياً ونفسياً إلى جانب أثره التعليمي، فالطالب قد ينسى تفاصيل درس أو تعريفاً أو قاعدة، لكنه من الصعب أن ينسى معلماً جعله يشعر بأنه قادر، أو معلماً آمن به عندما كان هو نفسه يشك بقدراته.

وأشار إلى أن الذاكرة الإنسانية لا تعمل بمعزل عن المشاعر؛ فالخبرات التي ترتبط بانفعال قوي، كالشعور بالنجاح أو التقدير أو الأمان أو حتى الإهانة والخوف، تكون أكثر قابلية للترسخ، ولذلك بعض الطلاب يتذكرون بعد عشرات السنين جملة قالها لهم معلم في لحظة معينة، وربما كانت تلك الجملة نقطة تحول في حياتهم، فالمعلم المؤثر لا يترك في ذاكرة الطالب "معلومة" فقط، بل يترك تجربة، والتجربة الإنسانية العميقة قد تعيش أطول بكثير من محتوى الدرس.

وأضاف أنه لا يمكن الفصل بين أسلوب التدريس وشخصية المعلم، لكن إذا أردنا تحديد العامل الأكثر تأثيراً في الذاكرة طويلة المدى، فإن شخصية المعلم وطريقة تعامله الإنسانية غالباً ما تكونان أكثر حضوراً، أسلوب التدريس مهم جداً؛ فالمعلم الذي يجعل الطالب يفكر ويشارك ويكتشف ويطبق، يجعل عملية التعلم أكثر عمقاً، لكن هذه الأساليب قد تفقد جزءاً كبيراً من أثرها إذا كان الطالب يشعر بالخوف أو الإهانة أو عدم الاحترام.

وأكد المحمود أن المعلم الناجح يجمع بين الكفاءة العلمية والكفاءة الإنسانية: يعرف مادته جيداً، ويعرف في الوقت نفسه كيف يتعامل مع طالب مختلف عنه في قدراته وشخصيته وظروفه، ولذلك فالمعلم المتميز ليس من يجعل الطلاب يحفظون أكثر فقط، وإنما من يجعلهم يفكرون أكثر ويثقون بأنفسهم أكثر.

وأشار إلى أن دور المشاعر أساسي في ترسيخ تجربة التعلم في الذاكرة، فالتعلم ليس عملية معرفية بحتة؛ فالطالب يتعلم وهو يحمل معه مشاعره ومخاوفه وحاجته إلى القبول والتقدير، فعندما يشعر الطالب بالأمان النفسي داخل الصف، يصبح أكثر استعداداً للسؤال والمناقشة والخطأ والمحاولة من جديد، أما عندما يخاف من السخرية أو العقاب أو الإحراج، فقد ينشغل جزء من انتباهه بتجنب الخطأ بدلاً من الانشغال بالتعلم. 

وشدد على أن الأمان النفسي ليس شيئاً ثانوياً، بل شرطاً مهماً من شروط التعلم الجيد، والتشجيع هنا لا يعني أن نقول للطالب دائماً "أنت ممتاز"، وإنما أن نساعده على رؤية تقدمه، وأن نفصل بين تقييم أدائه وتقييم قيمته كشخص، ونوه إلى أن المعلم قد يكون قدوة مؤثرة في حياة الطالب دون أن يقصد، وربما يحدث ذلك أكثر مما يتوقع المعلم نفسه، إذ إن الطالب لا يتعلم من كلام المعلم فقط، بل يتعلم أيضاً من سلوكه وطريقة تعامله مع الآخرين وإدارته للغضب واحترامه للطلاب واعترافه بخطئه.

من القدوة إلى الثقة: كيف يشكل المعلم نظرة الطالب لنفسه؟

وذكر الدكتور عبد الحي في تصريح خاص لـ شام أن المعلم يرسل يومياً عشرات الرسائل غير المباشرة؛ فعندما يرى الطالب معلماً يحترم الجميع، فإنه يتعلم معنى الاحترام، وعندما يرى معلماً يعترف بخطئه، يتعلم أن الخطأ ليس عيباً، وعندما يرى معلماً يؤمن بقدراته، قد يبدأ هو نفسه بالإيمان بهذه القدرات، وهنا تظهر أهمية ما يسمى تربوياً التعلم بالملاحظة والنمذجة؛ فالطالب لا يقلد المعلم في المعلومات فقط، بل قد يقلده في طريقة التفكير والتعامل مع الآخرين وحتى في نظرته إلى نفسه وإلى الحياة.

وبيّن أن من أبرز الأخطاء السلوكية والتربوية التي قد تجعل المعلم يُنسى أن يتحول إلى مصدر للمعلومات فقط، دون أن يبني علاقة تربوية حقيقية مع طلابه، مشيراً إلى أن الإهانة العلنية، والمقارنة بين الطلاب، والسخرية من الإجابات الخاطئة، والتحيز، وعدم العدالة، واستخدام الخوف كوسيلة للضبط، وعدم الاستماع للطالب، كلها عوامل تضعف أثره. 


وأوضح أنه قد يكون المعلم متمكناً علمياً بدرجة عالية، لكنه إذا جعل الطالب يشعر بأنه غير مهم أو غير قادر أو دائماً مخطئ، فإن معرفته العلمية قد لا تترك الأثر الذي كان يمكن أن تتركه، وفي المقابل، ليس المطلوب أن يكون المعلم "صديقاً" للطلاب بالمعنى الشخصي، بل أن يكون عادلاً، محترماً، واضحاً، داعماً، وحازماً دون إهانة، فالعلاقة التربوية الصحية تحتاج إلى توازن بين القرب والحدود.

ولفت نائب عميد كلية التربية الثانية في جامعة حلب إلى أن أسلوب المعلم يؤثر بشكل كبير في تعزيز أو إضعاف ثقة الطالب بنفسه وتقديره لذاته، خصوصاً عندما تتكرر الرسائل التي يتلقاها الطالب من المعلم عبر سنوات الدراسة، فعندما يقول المعلم للطالب: "أنت لا تستطيع"، أو يسخر من قدراته، فإن الطالب قد لا يتعامل مع هذه العبارة على أنها تعليق فحسب، بل قد يبدأ ببناء صورة سلبية عن نفسه حولها. 

أما عندما يقول له: "هذه المحاولة لم تنجح، لكن يمكننا أن نبحث عن طريقة أخرى"، فهو يفصل بين فشل المحاولة وقيمة الشخص، وهذه نقطة تربوية شديدة الأهمية، فالمعلم يستطيع أن يبني لدى الطالب ما يمكن تسميته إحساس الكفاءة؛ أي شعور الطالب بأنه قادر على التعلم والتطور من خلال الجهد والممارسة، ومن هنا فإن التغذية الراجعة التي يقدمها المعلم ينبغي ألا تركز فقط على النتيجة، بل على الاستراتيجية والجهد والتقدم.

وذكر المحمود أن الطالب غالباً يتأثر بالمعلم في المراحل المبكرة، كالطفولة، بشكل أعمق، لأن الطفل في هذه المرحلة ما يزال يبني تصوره عن نفسه وعن الآخرين وعن المدرسة والتعلم، والمعلم بالنسبة له ليس ناقلاً للمعرفة فقط، بل يمثل أحياناً شخصية مرجعية ذات قيمة كبيرة في حياته،  لكن هذا لا يعني أن تأثير المعلم يختفي في المراحل الجامعية أو المتقدمة، إذ يتغير شكل التأثير في المراحل اللاحقة؛ فالطالب الجامعي قد لا يحتاج إلى معلم يقوم بدور السلطة أو الرعاية كما في الطفولة، لكنه قد يتأثر بأستاذ يجعله يحب تخصصه، أو يفتح أمامه طريقاً مهنياً، أو يؤمن بقدرته البحثية والعلمية.

وأكد أن التأثير لا ينتهي مع تقدم العمر، وإنما تتغير طبيعته؛ فالطفل قد يتذكر معلمه لأنه جعله يشعر بالأمان، بينما قد يتذكر الطالب الجامعي أستاذه لأنه جعله يرى مستقبله بطريقة مختلفة، وأشار في ختام حديثه إلى أنه يرى أن السؤال الأهم بالنسبة له ليس: ماذا علّم المعلم الطالب فقط، وإنما ماذا جعل الطالب يشعر تجاه نفسه وتجاه العلم وتجاه قدرته على النجاح؟"

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ