القلق بين طبيعته التكيفية وحدوده المرضية: كيف يتشكل ومتى يتحول إلى نوبات هلع؟
القلق بين طبيعته التكيفية وحدوده المرضية: كيف يتشكل ومتى يتحول إلى نوبات هلع؟
● مجتمع ٢ أغسطس ٢٠٢٦

القلق بين طبيعته التكيفية وحدوده المرضية: كيف يتشكل ومتى يتحول إلى نوبات هلع؟

يُعدّ القلق من المشاعر الإنسانية الطبيعية التي ترافق الإنسان في مواقف متعددة من حياته، إلا أنه قد يتحول في بعض الحالات إلى عبء نفسي ينعكس سلباً على التفكير والسلوك وجودة الحياة، وبين القلق الذي يساعد على التكيّف، وذلك الذي يتجاوز حدوده ليصبح اضطراباً يحتاج إلى تدخل، تتداخل الأسباب والعوامل المؤثرة.

القلق بين الطبيعي والمرضي: الأسباب والتفسيرات
في هذا السياق، قالت الاختصاصية النفسية غالية معقالي، في حديثها لشبكة شام الإخبارية، إن القلق الطبيعي يُسمّى «القلق التكيفي»، وهو ضروري لكل إنسان ليتمكن من التكيّف مع الحياة، إذ يحميه من الأخطار والموت، وضربت مثالاً موضّحةً أنه لولا القلق التكيفي لأقدمنا على تناول المبيدات بدافع الفضول، ولما عالجنا الجروح، لأننا حينها لن نخشى العواقب.

وأضافت أن القلق المرضي هو حالة يرتفع فيها مستوى القلق التكيفي، فيصبح الإنسان قلقاً من مثيرات لا تستدعي القلق، ويمنح احتمالات سلبية ضعيفة الحدوث (قد لا تتجاوز 5%)  وكأنها تبلغ 90%، ويتصرف بناءً على هذا الاحتمال وكأنه حقيقة.

وتحدثت عن العوامل المؤدية للقلق، مشيرةً إلى أنها ترتبط بالوراثة، والبيئة، ووجود خلل في الجهاز العصبي. وأوضحت أن للوراثة دوراً مهماً في اضطرابات القلق، لافتةً إلى أنه عند سؤال المراجع عمّا إذا كان أحد أقاربه من الدرجة الأولى يتسم تفكيره بالقلق، تكون الإجابة غالباً بالإيجاب.

وأكدت معقالي أنه لا يوجد إنسان يولد بتفكير قَلِق أو بنوبات هلع، بل إن البيئة تُعد العامل المُحفّز للاستعداد الوراثي، وهنا يظهر تأثير البيئة، حيث يلعب نمط التربية دوراً مهماً، خصوصاً التربية المتذبذبة التي تجعل الطفل غير قادر على توقّع قرارات والديه بسبب تذبذب مواقفهما (مرة بالموافقة ومرة بالرفض على الطلب ذاته).

ولفتت إلى أن الضغوط النفسية التي تتعرض لها الأم الحامل، والتي تجعلها في حالة توتر طوال فترة الحمل، غالباً ما ترفع احتمالية إصابة الطفل بالقلق لاحقاً، كما أن التعرض لأزمات نفسية أو صدمات خلال حياة الشخص، وسوء استخدام المواد (التعاطي)، يزيدان من احتمالية الإصابة بالقلق، وأضافت أن الكبت وعدم تفريغ المشاعر وتجنب التعامل معها من أبرز العوامل المُحفّزة للقلق، فضلاً عن العيش في بيئة يسودها القلق، كالأماكن التي تنتشر فيها الحروب والضوضاء.

وفيما يتعلق بالخلل العصبي، أوضحت أن القلق يرتبط بفرط نشاط «اللوزة الدماغية» (مركز الإنذار في الدماغ)، ما يؤدي إلى اضطراب في النواقل العصبية المسؤولة عن التوتر والراحة، إلى جانب ضعف في القشرة الجبهية المسؤولة عن التفكير المنطقي واتخاذ القرار.

وبيّنت الاختصاصية النفسية أنه عند ظهور أعراض نوبة الهلع، يتم طلب بعض الفحوصات للتأكد من السلامة العضوية، وفي حال ثبوت ذلك يُتجه إلى تشخيص نوبة الهلع، مع إمكانية ترجيح التشخيص مبدئياً منذ الجلسة الأولى بناءً على المعطيات السريرية.

وأضافت أنه في حال كان المتعالج يعاني من أعراض نوبات الهلع منذ فترة طويلة دون حدوث أي أذى جسدي رغم تكرارها، فإن ذلك يستبعد الأسباب العضوية الخطيرة (فلا يُعقل أن تكون جلطة مثلاً على مدى سنوات دون نتائج)، وأشارت إلى أن المصابين بنوبات الهلع غالباً ما يتسم تفكيرهم بالقلق، وقد يعانون من أشكال أخرى من اضطرابات القلق، مثل الرهاب أو القلق العام.

وأكدت أن الاضطرابات النفسية تؤدي إلى تراجع ملحوظ في جودة الحياة في أحد الجوانب (الاجتماعية، المهنية، الدراسية أو الشخصية)، في حين أن الأعراض الناتجة عن خلل عضوي لا يشترط أن تؤثر بالضرورة في هذه الجوانب بنفس الشكل.

كيف تتعامل مع نوبة الهلع؟
وأوضحت معقالي في تصريح خاص لـ شام أن من أبرز الأخطاء الشائعة هو الهلع عند حدوث نوبة الهلع، مثل الخروج المفاجئ من المكان، أو فتح النوافذ، أو طلب الطمأنة المستمرة من الآخرين، أو الحركة المتكررة داخل الغرفة، مشيرةً إلى أن هذه السلوكيات تزيد من شدة النوبة ومدتها.

وتحدثت عن الإسعاف الأولي لنوبات الهلع، موضحةً أنه يشمل التقرب من شخص موثوق (كصديق أو أحد أفراد الأسرة) والتنفس معه بوتيرة هادئة لتخفيف سرعة التنفس، والتنفس داخل كيس أو داخل كفّي اليدين لتقليل كمية الأكسجين، إضافة إلى استخدام التحفيز الحسي مثل الإمساك بقطعة ثلج، أو وضع اليدين في ماء شديد البرودة، أو الاستحمام بماء بارد.

وأشارت إلى أهمية التطمين الذاتي، من خلال تذكير النفس بأن ما يحدث هو مجرد نوبة هلع مؤقتة وستزول خلال وقت قصير، مع ضرورة تنظيم التنفس وتجنّب الاستمرار في التنفس السريع، إلى جانب استخدام تقنيات التشتيت الحسي بالتركيز على البيئة المحيطة بدلاً من أعراض النوبة.

وضربت الاختصاصية النفسية مثالاً على التشتيت البصري بالانتباه لتفاصيل المكان (مثل عدّ خمسة أشياء محيطة، أو تحديد أشكال وألوان معينة)، أما من الناحية اللمسية فيمكن لمس أشياء ذات ملمس خشن، أو الإمساك بشيء بارد، أو سكب ماء بارد على الجسم.

وذكرت أنه في حال استمرار النوبات لأكثر من شهر، أو عندما تصبح معيقة للحياة اليومية (مثل تجنّب الخروج من المنزل خوفاً من النوبة، أو تدهور المزاج، أو اضطراب النوم، أو تفضيل البقاء في منطقة الراحة والأمان)، يصبح التدخل العلاجي ضرورياً.

وفيما يتعلق بخيارات العلاج، أوضحت أنه في الحالات البسيطة يكون العلاج لدى مختص نفسي كافياً، أما في الحالات المتوسطة إلى الشديدة فيُفضّل الجمع بين العلاج النفسي (الكلامي) والعلاج الدوائي بإشراف طبيب نفسي.

يبقى القلق، بتنوع أشكاله ودرجاته، تجربة إنسانية تختلف من شخص إلى آخر تبعاً للظروف والعوامل المحيطة به، وبين ما يمكن احتواؤه بأساليب بسيطة، وما قد يتطلب تدخلاً متخصصاً، تتباين طرق التعامل والاستجابة، وفي ظل هذا التداخل، يظل فهم طبيعة القلق وتمييز حدوده خطوة أساسية في التعامل معه، سواء على المستوى الفردي أو ضمن البيئة المحيطة.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ