الدروس الخصوصية: وسيلة تعليمية أم عبء مستمر على الأسرة؟
الدروس الخصوصية: وسيلة تعليمية أم عبء مستمر على الأسرة؟
● مجتمع ١ أبريل ٢٠٢٦

الدروس الخصوصية: وسيلة تعليمية أم عبء مستمر على الأسرة؟

شهدت الدروس الخصوصية خلال السنوات الأخيرة في سوريا انتشاراً واسعاً بين الطلاب، في ظل ما رافق تلك الفترة من ظروف أثرت على مستوى التحصيل الدراسي وجودة التعليم داخل المدارس، ما دفع كثيراً منهم إلى الاعتماد عليها لتعويض هذا التراجع، رغم ما يترتب عليها من أعباء اقتصادية إضافية على أسرهم.

تتعدد دوافع لجوء الطلاب إلى الدروس الخصوصية، فمنها ما يرتبط بالطالب نفسه، ومنها ما يتعلق ببيئة التعليم داخل المدرسة، فبعض الطلاب يعانون ضعفاً في مادة معينة نتيجة ضعف التأسيس في المراحل السابقة أو صعوبة الاستيعاب، كما أن شعور بعضهم بالخجل يمنعهم من طرح الأسئلة داخل الصف أمام زملائهم، ما يدفعهم إلى تفضيل الدروس الخصوصية حيث يكون عدد الطلاب أقل ويشعرون بارتياح أكبر في طرح استفساراتهم.

أما الأسباب المرتبطة بالمدرسة، فتشمل ازدحام الصفوف وضيق الوقت المخصص للشرح، الأمر الذي قد لا يتيح للمعلم متابعة مستوى جميع الطلاب بشكل كافٍ، وفي المقابل، يلتحق بعض الطلاب بالدروس الخصوصية رغم عدم حاجتهم الفعلية إليها، وذلك بدافع من الأهالي الذين يسعون للاطمئنان على مستوى أبنائهم وضمان حصولهم على درجات مرتفعة.

تقول الطالبة فاطمة الموسى، طالبة بكالوريا علمي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن مادة الرياضيات تُعد من أكثر المواد التي تحتاج إلى جهد إضافي خارج المدرسة، موضحةً أنه رغم حضورها الحصص الدراسية، وحرص المعلم على شرح الدروس وحل المسائل والإجابة عن أسئلة الطلاب، فإنها عند مراجعة الدرس في المنزل تشعر أحياناً بوجود نقاط لم تفهمها بالشكل الكافي وتحتاج إلى إعادة شرح.

ومن جانبها، تشير الطالبة ريماس العبدو إلى أن منهاج اللغة الإنجليزية يتطلب جهداً إضافياً خارج الصف، موضحةً أنه يضم قواعد لغوية ودروساً نظرية ومصطلحات تحتاج إلى ترجمة وفهم دقيق، إلى جانب تمارين متعددة تتطلب شرحاً مستمراً.

وتؤكد أن ذلك يدفعها إلى الاعتماد على الدروس الخصوصية أو الالتحاق بدورات إضافية إلى جانب المدرسة، لافتةً إلى أن بعض الطلاب لا يحتاجون إلى ذلك بسبب تفوقهم في المادة، إلا أن وضعها يختلف، لأن مستواها ضعيف في اللغة الإنجليزية ولا سيما في القواعد.

أدت الدروس الخصوصية إلى تحميل الأهالي أعباءً مالية ثقيلة، إذ فرضت عليهم تكاليف إضافية إلى جانب التزاماتهم المعيشية اليومية، ما دفع بعض الأسر إلى الاستدانة أو إنفاق مدخراتها، بل وحتى تقليص بعض احتياجاتها الأساسية، في سبيل تأمين هذه الدروس لأبنائها، خاصة طلاب شهادتي التعليم الأساسي (التاسع) والثانوي (البكالوريا).

ويؤكد عدد من الأهالي أن هذه المرحلة تُعد مفصلية في حياة أبنائهم، ولا سيما شهادة البكالوريا التي تحدد مستقبل الطالب والاختصاص الذي سيلتحق به لاحقاً، ما يجعلهم مستعدين لتحمل أعباء مالية كبيرة وتقديم تضحيات من أجل ضمان تحصيل دراسي أفضل لأبنائهم.

تروي ميادة محمد، 50 عاماً، لشبكة شام أن لديها ابنة تدرس في مرحلة البكالوريا، مشيرةً إلى أنها كانت تملك إسورة ذهبية تزن نحو 8 غرامات، فقررت بيعها مؤخراً وتخصيص المال لتأمين ما قد تحتاجه ابنتها من دروس خصوصية ومصاريف تعليمية أخرى.

وتؤكد ميادة أنها لم تكن تملك سوى هذه الإسورة، لكنها لم تتردد في بيعها، موضحة أن الأهم بالنسبة لها هو نجاح ابنتها هذا العام وحصولها على مجموع يؤهلها لدخول كلية الصيدلة، مشددةً على استعدادها لتقديم أي تضحية مادية أو معنوية من أجل تحقيق هذا الحلم.

في المقابل، هناك طلاب يحتاجون فعلاً إلى دروس خصوصية، لكن أهاليهم غير قادرين على تحمل تكاليفها، مما يدفعهم إلى البحث عن بدائل أخرى، مثل الدراسة الذاتية المكثفة، أو الاستعانة بالإنترنت، أو سؤال زملائهم في الصف، أو المعلمين، أو أي أشخاص من محيطهم يمكن أن يقدموا لهم المساعدة، ورغم أن هذه البدائل تكبدهم جهداً إضافياً مقارنة بالدروس الخصوصية، إلا أنها تبقى الحل الوحيد المتاح أمامهم في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.

من ناحية أخرى، توفر الدروس الخصوصية مصدر دخل للمدرسين، ويتم اختيارهم من قبل الطلاب بحسب شهرتهم ومهارتهم وقدرتهم على تقديم الدروس بفعالية، لكنها في الوقت نفسه تفرض عليهم أعباء إضافية، خاصة بعد انتهاء دوام المدرسة والتزاماتها، إذ يُضطر الأستاذ للعودة إلى المنزل لإعطاء الدروس للطلاب الآخرين ومتابعة مستواهم، مما يجعل يومه حافلاً بالمسؤوليات والمهام.

عادةً ما يلجأ المعلمون إلى تقديم الدروس الخصوصية لعدة أسباب، أبرزها ضعف الرواتب التي يتقاضونها وعدم كفايتها لتلبية احتياجاتهم الأساسية، إلى جانب ظروفهم الاقتصادية المتردية ومعاناتهم من مشاكل مادية، فضلاً عن رغبتهم في تحسين أوضاعهم المعيشية.

وترتبط أسعار الدروس الخصوصية بعدة عوامل، أبرزها مستوى الأستاذ وخبرته، فغالباً ما تكون أسعار المعلمين المشهورين في المنطقة أعلى مقارنة بغيرهم، خاصة إذا كان الطلاب الذين حضروا دروسهم سابقاً قد حصلوا على درجات تامة أو شبه تامة، أو أظهروا اهتماماً وشغفاً بالمادة.

كما تؤثر طبيعة المادة التعليمية على السعر، فبعض المواد تحتاج إلى شرح وتمارين أكثر فتكون تكلفتها أعلى، ويُعدّ عدد الطلاب في الدرس عاملاً آخر، حيث تكون الدروس الفردية أغلى من الدروس الجماعية لأن الطالب يحصل على انتباه كامل من المدرس، بالإضافة إلى عوامل أخرى مثل صعوبة المنهاج والطلب على المادة.

يشير تربويون إلى أن الدروس الخصوصية أصبحت ظاهرة منتشرة بين الطلاب، لكنهم يحذرون من الاعتماد المفرط عليها، معتبرين أن الهدف الأساسي هو دعم الطالب في نقاط ضعفه وليس تعويض المنهاج بالكامل، لأن ذلك قد يؤدي إلى تراجع الاعتماد على المدرسة وتثبيط قدرة الطالب على التعلم الذاتي، ما يجعل الحاجة إليها مستمرة ويثقل كاهل الأهالي مالياً.

ويرون أن الحلول لتخفيف هذا العبء تتمثل في تحسين جودة التعليم داخل المدرسة نفسها، من خلال منح الطلاب وقتاً إضافياً للتمارين والتوضيح أثناء الحصص أو بعد انتهاء اليوم الدراسي، وتفعيل حصص تقوية صغيرة للطلاب الذين يواجهون صعوبة في فهم المادة.

ويؤكدون أنه يمكن للأهل والطلاب الاستفادة من الموارد المتاحة على الإنترنت كالشرح المبسط للفيديوهات التعليمية والتمارين التفاعلية، أو طلب مساعدة مدرسين متطوعين أو زملاء متمكنين عند الحاجة، ما يوفر بدائل أقل تكلفة للدروس الخصوصية التقليدية ويخفف العبء المالي عن الأسرة.

تعد الحاجة إلى الدروس الخصوصية من الظواهر المنتشرة في المجتمع السوري، حيث يلجأ إليها الطلاب أحياناً نتيجة ضعفهم في بعض المواد أو حرص الأهالي على ضمان تفوق أبنائهم، ما يضطر الطلاب لبذل جهود إضافية ويكلف الأهالي نفقات مالية إضافية.

 

 

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ