الخطبة التقليدية السورية: إرث ثقافي بين القبول والرفض لدى الأجيال الجديدة
ما تزال بعض العائلات في سوريا تتمسك بأساليب تقليدية عند البحث عن زوجات لأبنائها، إذ تلجأ الأمهات في كثير من الأحيان إلى زيارة عدة منازل والاطلاع على أكثر من فتاة قبل الاستقرار على من يرين أنها الأنسب من حيث الصفات والشروط التي يضعنها مسبقاً.
وفي بعض الحالات، تتبع بعض السيدات أساليب في تقييم الفتاة تشبه تلك التي تُعرض في المسلسلات الشعبية، مثل فحص نظرها وسمعها وطولها وجمالها الطبيعي، وهي ممارسات قد تُشعر بعض الفتيات بعدم الارتياح أو الحرج، خاصة عندما تتم بصورة مباشرة.
وجهات نظر النساء حول هذه العادات
ويعود سبب قيام بعض النسوة بهذه الممارسات إلى اعتقادهن بأنها جزء من العادات الاجتماعية المتوارثة، إذ ترى كثيرات أن هذا الأسلوب أثبت نجاحه في إتمام زيجات مستقرة على مدى سنوات طويلة.
وتقول بعض السيدات إنهن تعلمن هذه الطريقة من الأمهات والجدات، اللواتي كنّ يعتبرنها الوسيلة المفضلة لاختيار زوجة مناسبة من المواصفات المميزة، في ظل معتقدات اجتماعية قديمة ما تزال حاضرة في أذهان عدد من العائلات حتى اليوم.
في هذا السياق تقول سماح الحمود (60 عاماً)، أم لـ 8 أولاد، من ريف إدلب الجنوبي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن هذه العادة موجودة منذ زمن طويل، وتعد من الأساليب المألوفة التي تستخدمها النساء عند البحث عن عروس مناسبة.
وتوضح أنها اتبعت هذه الطريقة في تزويج أبنائها، كما خُطبت بناتها بالطريقة نفسها، معتبرة أن الأمر طبيعي ولا يسبب حرجاً، منوهة إلى أنها كانت تستقبل أي سيدة تزور منزلها باحترام، سواء كانت قادمة للتعارف فقط أو بغرض خطبة ابنتها، مؤكدة أن هذا الأسلوب جزء من الأعراف الاجتماعية المتعارف عليها في بيئتها.
اختلاف وجهات النظر حول أساليب الخطبة التقليدية
وتتباين الآراء حول هذه الأساليب التقليدية في الخطبة والزواج، فبينما ترى بعض الفتيات أنها جزء من عادات اجتماعية مألوفة في المنطقة، ترفضها أخريات وتعتبرنها انتقاصاً من شأن الفتاة، خاصة عندما تتصرف بعض السيدات بتعالٍ أو غرور أثناء الزيارة، أو يقمن بزيارة منزل الفتاة دون موعد مسبق، أو يحاولن تفقد تفاصيل المنزل للتأكد من نظافته دون إذن، وهو ما تراه بعض الأسر تجاوزاً لخصوصيتها، وغيرها من التصرفات غير الجيدة.
الآثار النفسية للفتيات
يشير أخصائيون نفسيون إلى أن الأساليب التقليدية في البحث عن العرائس قد تترك أثراً نفسياً على الفتيات، إذ يجدن أنفسهن موضع تقييم مستمر، سواء من خلال التركيز على مظهرهن أو صفاتهن الشخصية، أو المقارنات مع فتيات أخريات، ما قد يولد شعوراً بالحرج والضغط النفسي، ويؤدي أحياناً إلى انخفاض الثقة بالنفس، خصوصاً إذا تم رفضهن بشكل متكرر دون تفسير واضح، وهو ما يبين أن هذه الممارسات لا تقتصر على كونها تقليد اجتماعي فحسب، بل تمتد لتؤثر على الحالة النفسية للفتيات اللواتي يمررن بها.
في الوقت ذاته يرفض العديد من الشباب الزواج عن طريق تدخل أمهاتهم ولا يهتمون بالوسائل التقليدية، ويفضلون اختيار شريكة حياتهم بأنفسهم بناءً على معايير يحددونها هم شخصياً، مثل المستوى التعليمي، السمعة، الجمال، وغيرها من الصفات التي يرغبون بوجودها في الزوجة.
تأثير الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي
أدى دخول الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي في إحداث تغيير نوعاً ما على أساليب التعارف والزواج التقليدية، إذ أتاح للشباب فرصاً للتعارف والدردشة وبناء علاقات قبل اتخاذ قرار الزواج، كما ساهم في توسيع دائرة الاختيار لتشمل مناطق وأشخاصاً أبعد من الدائرة التقليدية للأهل والمعارف، وقد أسفرت هذه الوسائل عن العديد من الزيجات الناجحة التي تمت عن طريق الإنترنت.
تراجع تقبل هذه الممارسات لدى الجيل الأصغر
كما يؤكد الأخصائيون الاجتماعيون أن تغير أنماط الحياة وارتفاع مستوى التعليم وازدياد وعي الفتيات بحقوقهن أدى إلى تراجع تقبل هذه الممارسات لدى الجيل الأصغر، الذي بات يميل إلى علاقات تقوم على التعارف المباشر والاحترام المتبادل قبل اتخاذ قرار الزواج.
تقول علا قطيش، طالبة في السنة الثالثة بكلية التربية، في حديث لـ شام، إنه من المستحيل أن تقبل بالزواج بالطريقة التقليدية التي تأتي فيها سيدة لتعاينها وكأنها بضاعة، حسب وصفها.
وتشير إلى أنها عندما تفكر في الزواج ترغب في شاب يعرفها مسبقاً ويكون مقتنعاً بها تماماً من حيث شخصيتها ومظهرها، ويكون هو من اختارها وليس والدته، مؤكدة رفضها لفكرة أن يقرر لقاء عابر أو نظرة قصيرة مصيرها.
رغم تغير أنماط الحياة ودخول منصات التواصل الاجتماعي التي أتاحت فرصًا أوسع للتعارف، ما تزال بعض العائلات السورية متمسكة بعاداتها وتقاليدها في البحث عن عروس لأبنائها، محافظة على أساليب تقليدية متوارثة، فيما يقبل بعض الفتيات بها بينما ترفضها أخريات.