أعياد "المعلم والفطر والأم": ثلاث مناسبات متقاربة تعيد إبراز رسوخ العادات الاجتماعية في سوريا
يتميّز المجتمع السوري بتمسكه بعادات اجتماعية راسخة ترتبط بالمناسبات المختلفة، إذ تهدف هذه التقاليد إلى تنظيم شؤون الحياة اليومية وتعزيز الروابط بين أفراد المجتمع، إلى جانب إبراز هوية ثقافية واجتماعية متجذّرة في الوعي الجمعي.
وشهدت الفترة الأخيرة تزامن ثلاث مناسبات متقاربة في سوريا، تمثلت في عيد المعلم، تلاه عيد الفطر بما يحمله من طقوس وزيارات، ثم عيد الأم، حيث تحمل كل مناسبة التزاماتها الخاصة على المستويين المادي والمعنوي.
خلال عيد المعلم، اعتادت العديد من العائلات تقديم هدايا لمعلمي أبنائها تعبيراً عن الامتنان لدورهم في تعليم الأطفال ورعايتهم، إلا أن هذه العادة قد تشكل تحدياً للأهالي، خاصة في حال وجود أكثر من مدرس لكل طفل، في ظل أوضاع اقتصادية صعبة، في المقابل، يرى كثير من المعلمين أن أفضل تقدير يمكن أن يُقدَّم لهم يتمثل في تحسن مستوى الطلاب واهتمامهم بدروسهم، دون الحاجة إلى هدايا مادية.
وينطبق الأمر ذاته على عيد الأم، حيث يتوقع من الأبناء زيارة والداتهم وتقديم الهدايا لهن، إضافة إلى تكريم الحماة أو الأمهات الأخريات في العائلة، وهو ما قد يضع بعض الأشخاص أمام أعباء مالية إضافية، خصوصاً عندما يصعب عليهم شراء هدايا للجميع، ما قد يعرّضهم أحياناً لانتقادات أو عتب من بعض أفراد الأسرة، رغم تفهم آخرين لظروفهم.
أما عيد الفطر، فيرتبط بدوره بسلسلة من الطقوس الاجتماعية، أبرزها الزيارات العائلية وتبادل التهاني، وهي ممارسات تعزز الترابط الأسري، لكنها قد تصبح مرهقة في حال تباعد المسافات أو وجود التزامات عملية أو صحية تحول دون الالتزام بها، ما قد يعرّض الشخص للعتب ببعض الأحيان رغم إدراك المحيطين به لظروفه.
ولا تقتصر التزامات العيد على الزيارات فحسب، بل تشمل أيضاً تقديم "العيديات" للأطفال وأفراد الأسرة، وهو ما يشكل عبئاً إضافياً على من يعانون من ضائقة مالية، وقد يؤدي عدم القدرة على الالتزام بهذه العادة إلى شعور بالحرج أو التقصير.
وأدى تتابع هذه المناسبات في فترة زمنية قصيرة إلى زيادة الضغوط النفسية والمادية على بعض الأسر، إذ يشعر كثيرون بضرورة الاحتفال بكل مناسبة وتأدية ما يرتبط بها من التزامات اجتماعية، حتى وإن تجاوزت إمكاناتهم.
في المقابل، يلجأ بعض الأشخاص إلى حلول بديلة للتعامل مع هذه المناسبات دون تحميل أنفسهم أعباء تفوق قدراتهم، مثل اختيار هدايا بسيطة ذات طابع رمزي، أو الاكتفاء بالمبادرات المعنوية التي تعبّر عن التقدير والمحبة دون تكلفة مالية مرتفعة.
كما يعتمد البعض على وسائل الاتصال الهاتفي للاعتذار عن عدم القدرة على الزيارات خلال عيد الفطر، مع شرح الأسباب، وهو ما يساعد في كثير من الأحيان على تفادي الحرج والحفاظ على العلاقات العائلية.
تقول رنا المحمد، وهي مدرسة تاريخ، إنها كثيراً ما تتلقى في عيد المعلم هدايا متنوعة من طلابها، بعضها بسيط في شكله لكنه يحمل قيمة معنوية كبيرة، مثل باقة ورد من حديقة المنزل أو رسالة مكتوبة بكلمات صادقة وبطاقة شكر تعبّر عن امتنان حقيقي لجهودها.
وتضيف في حديثها لـ«شام» أنها تقدّر كذلك دعوات الأهالي لها وتحسن مستوى طلابها، معتبرة أن هذه المؤشرات تمثل بالنسبة لها أفضل أشكال التكريم، إلى جانب الاتصالات أو الزيارات الودية التي يقوم بها بعض الأهالي إلى المدرسة أو منزلها لشكرها بشكل مباشر.
من جهتها، تؤكد خالدية العلي (55 عاماً)، وهي أم لخمسة أبناء، تقيم في مدينة معرة مصرين بريف إدلب، أنها لا تعير اهتماماً كبيراً للهدايا في عيد الأم، مشيرة إلى أن أكثر ما يسعدها هو الاطمئنان على أبنائها ورؤيتهم مستقرين في حياتهم، مضيفة أن زيارة أو مكالمة هاتفية منهم كافية لإدخال السرور إلى قلبها في أي وقت من العام، وليس في هذه المناسبة فقط.
ويرى مختصون نفسيون أن الضغوط المرتبطة بالعادات الاجتماعية تزداد عندما يشعر الفرد بأنه ملزم بالالتزام بها حتى في حال عدم قدرته على ذلك، ما قد ينعكس في شكل توتر أو شعور بالذنب، ويشيرون إلى أن تعزيز ثقافة تفهّم الظروف الشخصية داخل الأسرة والمجتمع يمكن أن يسهم في تخفيف هذه الضغوط، ويساعد الأفراد على المشاركة في المناسبات بما يتناسب مع إمكاناتهم دون إحراج.
وتظهر هذه الوقائع أن العادات الاجتماعية، رغم دورها في تعزيز الروابط بين الأفراد، قد تتحول في بعض الأحيان إلى التزامات مرهقة، خاصة مع تتابع المناسبات في فترات متقاربة، ما يدفع بعض الأسر إلى البحث عن أساليب أكثر مرونة للتعبير عن التقدير والمحبة بما ينسجم مع ظروفهم الشخصية واقعهم المعيشي.