هل يمكن لمواقع التواصل أن تشخّص الاضطرابات النفسية؟.. مختص يوضح مخاطر «التشخيص الذاتي»
أصبح البحث عن تفسير للأعراض النفسية عبر مواقع التواصل الاجتماعي ومحركات البحث سلوكاً شائعاً، إذ يجد المستخدم أمامه عشرات المقاطع والمنشورات التي تشرح علامات القلق والاكتئاب واضطرابات الانتباه والصدمات النفسية وغيرها، وقد يقوده تشابه بعض ما يقرأه مع تجربته الشخصية إلى الاعتقاد بأنه يعاني اضطراباً محدداً.
ورغم الدور الذي يمكن أن يؤديه المحتوى الرقمي في زيادة الوعي بالصحة النفسية وتشجيع الأشخاص على فهم ما يمرون به وطلب المساعدة، فإن الانتقال من التوعية إلى تشخيص الذات يحمل مخاطر مختلفة، لأن العرض الواحد قد يرتبط بأكثر من اضطراب نفسي، أو تكون خلفه أسباب صحية أو دوائية أو ضغوط حياتية لا يمكن تحديدها من خلال منشور أو مقطع قصير.
وفي هذا السياق، قال الدكتور غزوان بويضاني، معاون مدير إدارة الصحة النفسية، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الأعراض التي يقرأها الشخص عبر مواقع التواصل أو محركات البحث لا تكفي وحدها لتشخيص اضطراب نفسي، مؤكداً أن التشخيص عملية علمية تتطلب تقييماً شاملاً للحالة.
التشخيص أبعد من قائمة أعراض
أوضح بويضاني أن التقييم النفسي يأخذ في الاعتبار التاريخ الشخصي والعائلي والطبي، وشدة الأعراض ومدتها وتكرارها ومدى تأثيرها في الحياة اليومية، إلى جانب استبعاد الأسباب الطبية والعضوية التي يمكن أن تسبب أعراضاً مشابهة.
وأضاف أن عملية التشخيص تستند كذلك إلى معايير تشخيصية معتمدة، من بينها DSM-5 وICD-11، في حين أن المحتوى المنشور على مواقع التواصل غالباً ما يقدم المعلومات بصورة مبسطة أو منفصلة عن سياقها، ولا يستطيع مراعاة الفروق الفردية والثقافية والظروف الخاصة بكل شخص.
وتكمن المشكلة في أن قراءة مجموعة من الأعراض التي تبدو مألوفة قد تدفع الشخص إلى مطابقتها مباشرة مع حالته، رغم أن وجود بعض العلامات المشتركة لا يعني بالضرورة توافر المعايير اللازمة لتشخيص اضطراب بعينه.
مخاطر «التشخيص الذاتي»
حذر بويضاني من أن الاعتماد على مقاطع الفيديو والمنشورات لتشخيص الحالة قد يقود إلى استنتاجات خاطئة، ويسبب قلقاً أو هلعاً غير مبرر، كما قد يؤدي في الاتجاه المقابل إلى إغفال مشكلة حقيقية أو التقليل من خطورتها.
وأشار إلى أن المخاطر تشمل كذلك الانخراط في علاجات غير مناسبة أو اتباع نصائح تفتقر إلى الموثوقية، إضافة إلى احتمال تفاقم الضيق نتيجة التوتر الذي يولده التشخيص الذاتي.
وقد يؤدي إطلاق الشخص تشخيصاً على نفسه دون تقييم متخصص إلى التعامل مع ذاته على أساس اضطراب لم يثبت وجوده، فضلاً عن احتمال تأخير الوصول إلى المختص والحصول على التقييم أو العلاج المناسب عند الحاجة.
العرض الواحد قد تكون له أسباب مختلفة
وبيّن بويضاني أن أعراضاً مثل القلق والأرق وفقدان التركيز لا تعد مؤشرات حصرية لاضطراب محدد، وإنما يمكن أن تظهر ضمن حالات نفسية متعددة، من بينها القلق العام والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه.
كما يمكن أن ترتبط أعراض مشابهة بأسباب صحية، مثل اضطرابات الغدة الدرقية وفقر الدم ونقص بعض الفيتامينات ومشكلات النوم، أو بعوامل حياتية تشمل الضغوط المالية والأسرية، إلى جانب تعاطي بعض المواد أو الآثار الجانبية للأدوية والتفاعلات الدوائية.
وأكد أن هذا التشابه يجعل تقييم السياق الكامل للشخص ضرورياً، بدلاً من محاولة الوصول إلى التشخيص انطلاقاً من عرض منفرد أو مجموعة محدودة من العلامات.
متى تصبح زيارة المختص ضرورية؟
أوضح بويضاني أنه يُستحسن التوجه إلى مختص عندما تستمر الأعراض لأسبوعين أو أكثر، أو عندما تبدأ بالتأثير في العمل أو الدراسة أو العلاقات الاجتماعية، أو تزداد شدتها وتكرارها.
وأضاف أن طلب المساعدة يصبح أكثر أهمية عند ظهور أفكار تتعلق بإيذاء النفس أو اليأس، أو عدم تحسن الحالة رغم المحاولات الذاتية، وكذلك عندما يتحول البحث المتكرر عن الأعراض عبر الإنترنت إلى مصدر إضافي للقلق والضيق.
وأكد أن التوجه المبكر إلى المختص لا يعني بالضرورة أن الشخص يعاني اضطراباً نفسياً، وإنما يمثل خطوة وقائية تساعد على فهم الأعراض وتحديد أسبابها والتعامل معها بصورة مناسبة.
كيف نستفيد من المحتوى النفسي؟
ورأى بويضاني أن الحل لا يتمثل في الابتعاد عن المحتوى المتعلق بالصحة النفسية، وإنما في معرفة الحدود الفاصلة بين دوره التوعوي وبين عملية التشخيص.
وأوضح أنه يمكن الاستفادة من هذا المحتوى باعتباره مدخلاً لفهم بعض المفاهيم النفسية والتعرف إلى الأعراض وطرح أسئلة أكثر وضوحاً على المختص، مع ضرورة التحقق من مصداقية الجهة أو الشخص الذي يقدم المعلومات.
وشدد على أهمية عدم تطبيق كل ما ينشر على الحالة الشخصية مباشرة، وعدم تعميم التجارب الفردية التي يشاركها الآخرون، أو اعتبارها دليلاً على أن كل شخص يعاني الأعراض نفسها يمر بالحالة ذاتها.
كما أكد أن المعلومات المتاحة عبر المنصات الرقمية لا ينبغي أن تتحول إلى بديل عن التقييم المتخصص أو العلاج عند الحاجة، وإنما يمكن أن تؤدي دوراً مكملاً في نشر المعرفة وتشجيع الأشخاص على طلب المساعدة المناسبة.
بين التوعية والتشخيص
ومع اتساع حضور الصحة النفسية على المنصات الرقمية، أصبحت المعرفة المتعلقة بالاضطرابات والأعراض أكثر قرباً من الناس، وهو تطور يمكن أن يسهم في زيادة الوعي وكسر بعض الصور النمطية المرتبطة بطلب الدعم النفسي.
لكن سهولة الوصول إلى المعلومات لا تجعل عملية التشخيص أكثر بساطة، إذ يحتاج تحديد طبيعة الحالة إلى فهم مدة الأعراض وشدتها وتأثيرها والسياق الذي ظهرت فيه، إضافة إلى استبعاد أسباب أخرى يمكن أن تقف خلفها.
ويبقى الفارق أساسياً بين أن تساعد مواقع التواصل الشخص على ملاحظة ما يمر به وفهم حاجته إلى المساعدة، وبين أن تمنحه تشخيصاً جاهزاً. فالمحتوى الرقمي يمكن أن يبدأ منه السؤال، أما الإجابة المتعلقة بوجود اضطراب نفسي من عدمه فتحتاج إلى تقييم مهني يأخذ الإنسان وظروفه كاملة في الاعتبار.