مظاهر ضعف الثقة بالنفس لدى الطفل بين السلوك اليومي والعوامل التربوية المؤثرة
مظاهر ضعف الثقة بالنفس لدى الطفل بين السلوك اليومي والعوامل التربوية المؤثرة
● مجتمع ٢٤ مايو ٢٠٢٦

مظاهر ضعف الثقة بالنفس لدى الطفل بين السلوك اليومي والعوامل التربوية المؤثرة

يلاحظ بعض الأهالي أن أطفالهم قد يعانون من ضعف في الثقة بالنفس، ويظهر ذلك في مواقف متعددة داخل المدرسة والحياة اليومية، مثل التردد في الإجابة أو المشاركة، وصعوبة التفاعل بثبات مع المحيط، ما ينعكس على قدرة الطفل على المبادرة واتخاذ القرار.

وقد يترتب على ذلك عدد من التداعيات التي تمتد إلى جوانب مختلفة من حياة الطفل، حيث قد يؤثر على تحصيله الدراسي من خلال ضعف المشاركة داخل الصف، كما ينعكس على علاقاته الاجتماعية عبر الميل إلى الانسحاب أو صعوبة تكوين صداقات، إضافة إلى تراجع الجرأة في التعامل مع المواقف الجديدة، ما يحدّ من فرصه في تنمية مهاراته بشكل مستقل ومتوازن.

قال مصعب محمد علي، أخصائي علم نفس وصحة نفسية، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن ضعف الثقة بالنفس عند الطفل يُعرَّف من منظور نفسي بأنه انخفاض إدراكه لكفاءته وقدرته على التأثير والنجاح، مع ميل للنظر إلى نفسه بصورة سلبية أو مشروطة بالنجاح أو رضا الآخرين، موضحاً أن الطفل لا يعبّر عن ذلك دائماً بشكل مباشر، بل يظهر في سلوكه.

وأضاف أن أبرز العلامات التي تدل على ضعف الثقة بالنفس تشمل الخوف الزائد من الخطأ أو العقاب، وتجنب المشاركة أو تجربة أشياء جديدة، إلى جانب الانسحاب الاجتماعي أو التردد في تكوين صداقات، وطلب الطمأنة المستمر، والانزعاج الشديد من النقد البسيط، وكثرة استخدام عبارات مثل «ما بعرف – ما بقدر – أنا سيء»، فضلاً عن البكاء أو الغضب السريع عند الفشل، والاعتماد الزائد على الكبار في اتخاذ القرار.

وأشار إلى أن الأسباب الأكثر شيوعاً لهذه الحالة لا تقتصر على عامل واحد، بل هي نتيجة مجموعة من العوامل، منها النقد المتكرر أو التركيز على الأخطاء، والمقارنة المستمرة مع الآخرين، والحماية الزائدة، إلى جانب التنمر أو الرفض الاجتماعي، ووجود توقعات عالية لا تناسب عمر الطفل، والتعرض للإحراج أو السخرية، إضافة إلى الخبرات المتكررة بالفشل دون دعم.

ونوّه إلى أن طريقة تعامل الأهل تلعب دوراً مباشراً وكبيراً، مبيناً أن الطفل يبني صورته عن نفسه من خلال انعكاس نظرة الكبار إليه، حيث إن سماعه لعبارات سلبية بشكل مستمر قد يدفعه لتصديقها، في حين أن الدعم الصحي لا يعني المديح المبالغ فيه، بل الاعتراف بالمجهود، وإتاحة مساحة للتجربة والخطأ، ووضع حدود باحترام، مع الفصل بين السلوك وقيمة الطفل.

ولفت إلى أن ضعف الثقة بالنفس ينعكس على الأداء المدرسي والعلاقات الاجتماعية، حيث قد يظهر من خلال عدم المشاركة رغم معرفة الإجابة، وانخفاض المبادرة، وتجنب الأنشطة الجماعية، والتأثر السريع بآراء الآخرين، وصعوبة الدفاع عن النفس، أو الميل لإرضاء الجميع أو الانسحاب منهم، مضيفاً أنه قد يظهر أحياناً بشكل معاكس كسلوك عدواني أو استعراض زائد لإخفاء الشعور بالنقص.

وبيّن في تصريح خاص لـ شام أن المقارنة بين الأطفال تُعد من أكثر العوامل المؤذية عندما تتحول إلى أسلوب دائم، موضحاً أن الرسالة التي تصل للطفل حينها ترتبط بقيمته مقارنة بغيره، وليس بتطوره، مشدداً على أن الأفضل هو مقارنة الطفل بنفسه وملاحظة تقدمه.

وتحدّث عن الأخطاء التربوية التي تؤدي إلى تراجع الثقة بالنفس، مثل النقد أو الإهانة أمام الآخرين، والسخرية من المشاعر، والمديح المشروط بالنجاح فقط، والتدخل المفرط ومنع الاستقلال، إلى جانب التوقعات المثالية، وعدم الإصغاء للطفل، ومعاقبته على المحاولة بدل السلوك.

وأوضح أن تعزيز الثقة بالنفس يمكن تحقيقه من خلال خطوات عملية، كإعطاء الطفل مهام تناسب عمره، ومدح الجهد أكثر من النتيجة، والسماح بالخطأ الآمن والتعلم منه، والإصغاء لرأيه، وتعليمه مهارات حل المشكلات، وتشجيعه على أنشطة يشعر فيها بالكفاءة، واستخدام لغة إيجابية تعزز التعلم من التجربة.

وأكد أن الأمر يصبح بحاجة إلى تدخل مختص نفسي عندما يستمر ضعف الثقة لفترة طويلة، أو يؤثر على الدراسة والعلاقات، أو يترافق مع قلق شديد أو حزن أو انسحاب واضح، أو يمنع الطفل من أداء مهامه الطبيعية، أو يظهر معه خوف مفرط أو أعراض جسدية متكررة.

يشير أخصائيون نفسيون إلى أن ضعف الثقة بالنفس لدى الطفل لا يرتبط فقط بأسلوب التربية داخل الأسرة، بل يتأثر أيضاً بالبيئة المحيطة به، سواء في المدرسة أو المجتمع، مشددين على أن شعور الطفل بعدم الأمان أو غياب الدعم قد يعزز لديه الإحساس بعدم الكفاءة، كما أن التجارب اليومية المتكررة مثل التجاهل أو التقليل من الرأي قد تسهم في تكوين صورة سلبية عن ذاته.

ويرى الأخصائيون أن بناء الثقة بالنفس عملية تدريجية تحتاج إلى وقت واستمرارية، موضحين أن منح الطفل مساحة لاتخاذ قرارات مناسبة لعمره، وإشراكه في اختياراته اليومية، يسهم في تعزيز شعوره بالمسؤولية، مؤكدين أن التوازن بين الدعم والتحدي، بعيداً عن الحماية الزائدة أو الضغط المفرط، هو ما يساعد الطفل على تكوين ثقة مستقرة بنفسه.

يُعدّ ضعف الثقة بالنفس أحد المشكلات التي قد يعاني منها الطفل، والتي تنعكس على حياته اليومية ودراسته ونشاطه وتفاعله مع محيطه، بما قد يؤثر على قدرته على المشاركة واتخاذ القرار والتعامل مع المواقف المختلفة بثبات واستقلالية.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ