لماذا يلجأ البعض إلى المشعوذين؟ دوافع اجتماعية ونفسية ومخاطر تصل إلى الاحتيال
أعاد تداول مقطع مصور على مواقع التواصل الاجتماعي، قيل إنه يظهر امرأة تمارس أعمال السحر والشعوذة في حي الحمدانية بمدينة حلب، النقاش حول استمرار لجوء بعض الأشخاص إلى المشعوذين بحثاً عن علاج أو حل لمشكلة أسرية أو تحقيق رغبة يصعب الوصول إليها بالطرق المعتادة، وهي ممارسات قد تبدأ باعتقاد شخصي قبل أن تتحول في بعض الحالات إلى باب للاستغلال المادي والابتزاز وتعطيل الوصول إلى الحلول الواقعية.
ويطرح انتشار مثل هذه الحالات تساؤلات تتجاوز تصديق السحر من عدمه، لتصل إلى الظروف النفسية والاجتماعية التي تجعل الإنسان أكثر استعداداً لتصديق ادعاءات المشعوذين، والأضرار التي يمكن أن تنتقل من الفرد إلى أسرته ومحيطه، وصولاً إلى موقف القانون السوري عندما ترتبط هذه الممارسات بالحصول على المال أو الاحتيال والابتزاز.
الخوف وفقدان السيطرة يدفعان للبحث عن تفسير
قال عابد حيدر، الباحث في القضايا الاجتماعية والإنسانية، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن لجوء بعض الأشخاص إلى المشعوذين يرتبط بمجموعة متداخلة من العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، ولا يمكن اختزاله بعامل واحد أو تفسيره دائماً بضعف الوعي.
وأوضح أن الإنسان عندما يواجه مرضاً أو بطالة أو مشكلة أسرية أو مصيبة لا يستطيع تفسيرها أو السيطرة عليها، قد يبحث عن تفسير يمنحه معنى لما يحدث، ولا سيما في حالات الخوف وعدم اليقين، وهنا يمكن للمعتقدات المرتبطة بالسحر أن تقدم لبعض الأشخاص تفسيراً جاهزاً يشعرون من خلاله بأنهم أصبحوا قادرين على فهم المشكلة أو التعامل معها.
وأشار إلى ارتباط هذه المعتقدات في بعض الحالات بانخفاض الشعور بالكفاءة الذاتية وارتفاع النزعة القدرية وما يعرف بـ"مركز الضبط الخارجي"، أي ميل الشخص إلى إرجاع النتائج التي تحدث في حياته إلى قوى وعوامل خارجية بدلاً من ربطها بقدرته وجهده والظروف الواقعية المحيطة به.
ولفت حيدر إلى أن التنشئة الاجتماعية تلعب دوراً مهماً في استمرار الظاهرة، إذ يمكن أن تنتقل هذه الأفكار داخل الأسرة والمحيط الاجتماعي وتتحول مع الوقت إلى جزء من الطريقة التي يفسر بها الشخص المرض أو الخلافات الأسرية أو الأزمات والمصائب، فيما قد يؤدي ضعف الثقة بالمؤسسات والعلاقات الاجتماعية إلى زيادة الاعتماد على مصادر وتفسيرات غير رسمية.
لماذا يستمر البعض رغم الخسائر؟
وبيّن حيدر أن استمرار الشخص في زيارة المشعوذ حتى بعد تعرضه لخسائر مادية لا يرتبط بالضرورة بغياب الوعي وحده، إذ تتداخل معه حالة الخوف والحاجة إلى إجابة، إضافة إلى تأثير المحيط الذي قد يعزز الاعتقاد ويشجع على تكرار التجربة.
وأضاف أن قابلية استمرار هذه الممارسات تصبح أكبر في البيئات التي يضعف فيها الشعور بالقدرة على حل المشكلات وتقل فيها الثقة الاجتماعية والمؤسساتية، ما يجعل الظاهرة مرتبطة بالبيئة التي تمنح الاعتقاد الدعم والاستمرارية، وليس بقناعة الفرد وحده.
وحذر من أن آثار الشعوذة قد تنتقل سريعاً إلى داخل الأسرة، خصوصاً عندما يبدأ الشخص بتفسير المرض أو الخلافات أو المشكلات اليومية باعتبارها نتيجة "سحر" قام به قريب أو جار أو شخص آخر، الأمر الذي يمكن أن يغذي الشك والاتهامات ويؤدي إلى تراجع الثقة وتوتر العلاقات الاجتماعية والعائلية.
وأكد أن الضرر المادي يمثل جانباً آخر من المشكلة، إذ قد ينفق بعض الأشخاص مبالغ متكررة للحصول على وعود بالحل، فيما تكمن خطورة إضافية في احتمال تأخير مراجعة الطبيب أو المختص النفسي أو الاجتماعي والابتعاد عن الوسائل المناسبة لمعالجة المشكلة، ما يجعل الضرر مرتبطاً بما ينتج عن هذه الممارسات من استغلال وتعطيل للحلول المتاحة.
متى تتحول الشعوذة إلى قضية قانونية؟
قال المحامي محمد معتز العلي، عضو نقابة المحامين في إدلب، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن القانون يتعامل مع الأفعال والوقائع التي يمكن إثباتها، وإن الممارسات المرتبطة بادعاء معرفة الغيب أو تحقيق نتائج خارقة قد تندرج ضمن أفعال يعاقب عليها القانون، ولا سيما عندما تستخدم للاستيلاء على أموال الآخرين عن طريق الخداع.
وأوضح العلي أن المسؤولية في حالات الاحتيال ترتبط بتوافر عناصر الجريمة، ومنها الفعل المادي والقصد الجرمي، بحيث يستخدم الشخص وسائل الإقناع والخداع مدعياً قدرته على تحقيق نتائج غير طبيعية أو معرفة الغيب أو "فك السحر"، بينما تكون غايته الحصول على أموال الضحية.
وأشار إلى أن المادة 754 من قانون العقوبات السوري تتناول تعاطي بعض الممارسات بقصد الربح، ومنها مناجاة الأرواح والتنويم المغناطيسي والتنجيم وقراءة الكف وورق اللعب وما يرتبط بادعاء علم الغيب، موضحاً أن توصيف أي واقعة والعقوبة المترتبة عليها يبقيان مرتبطين بتفاصيل القضية والأفعال المثبتة أمام القضاء.
تعرضت للاحتيال أو الابتزاز.. ماذا تفعل؟
أوضح العلي أن الشخص الذي يتعرض للنصب أو التهديد أو الابتزاز من أحد ممارسي الشعوذة يستطيع سلوك الطريق القانوني وتقديم شكوى، إما بالتوجه إلى قسم الشرطة وتنظيم ضبط يتناسب مع طبيعة الواقعة، أو بتقديم معروض إلى النيابة العامة التي تحيله بدورها إلى الجهة المختصة للتحقيق.
وأضاف أن الأدلة تختلف باختلاف القضية، ويمكن أن تشمل شهادة الشهود ولقطات الشاشة والمراسلات والتسجيلات المرتبطة بعملية الابتزاز، إضافة إلى الأدوات أو المواد التي سلمها المشعوذ للضحية إذا كانت مرتبطة بالفعل محل الشكوى، مشدداً على أهمية الاحتفاظ بما يمكن أن يساعد في إثبات الواقعة وعدم التخلص منه.
ولفت إلى أن الخوف يمثل أحد أبرز العوائق التي تمنع بعض الضحايا من تقديم الشكاوى، إذ قد يخشى الشخص، نتيجة اعتقاده بقدرات المشعوذ، من تعرضه لانتقام أو ضرر، فيما يخشى آخرون من الوصمة الاجتماعية أو الدينية في حال معرفة المحيطين بهم أنهم تعاملوا مع مشعوذ، وخاصة عندما تكون القضية مرتبطة بصور أو معلومات وأغراض شخصية.
وأشار إلى أن إثبات بعض الوقائع قد يشكل تحدياً إضافياً، نتيجة حرص ممارسي هذه الأفعال على تجنب ترك أدلة مباشرة، الأمر الذي يجعل توثيق المراسلات وعمليات الدفع والتهديدات وغيرها من التفاصيل المرتبطة بالواقعة مهماً عند التوجه إلى الجهات المختصة.
التوعية تبدأ من توفير البديل
أكد حيدر أن مواجهة الشعوذة لا تتحقق بالسخرية من الأشخاص الذين يلجؤون إليها أو مهاجمة معتقداتهم، لأن ذلك قد يدفعهم إلى مزيد من الانغلاق، معتبراً أن المعالجة تبدأ بفهم الأسباب التي تجعل الإنسان يبحث عن هذه الممارسات ثم توفير بدائل موثوقة يستطيع الوصول إليها عند وقوعه في أزمة.
ودعا إلى تعزيز التفكير النقدي وتعليم الأفراد كيفية التحقق من الادعاءات، ونشر المعرفة الصحية والنفسية والاجتماعية، وتسهيل الوصول إلى المختصين والخدمات الموثوقة، إلى جانب توعية المجتمع بالأساليب التي يستخدمها المحتالون لاستغلال الخوف والمرض والمشكلات الأسرية للحصول على الأموال.
وشدد العلي بدوره على أهمية التوعية القانونية والاجتماعية والدينية، وتشجيع المتضررين على مراجعة القضاء بدلاً من الصمت عن حالات الاحتيال والابتزاز، مقترحاً تعزيز التعاون بين الفعاليات المجتمعية ومنظمات المجتمع المدني والجهات القانونية لرصد الحالات ومعالجتها.
وتبقى خطورة الشعوذة أكثر وضوحاً عندما تنتقل من مساحة المعتقد الشخصي إلى استغلال الخوف والحاجة، فتستنزف أموال الأسرة أو تؤخر علاج مريض أو تحول الخلافات إلى اتهامات وعداوات، وهو ما يجعل توفير المعلومة الموثوقة والخدمات المتخصصة والمسار القانوني الواضح أدوات أساسية للحد من قدرة المشعوذين على استغلال الأشخاص في أكثر لحظاتهم ضعفاً.