بين انتظار المفقود ومعرفة المصير.. زوجات المختفين قسراً يواجهن إرثاً ثقيلاً من الفقد والنزوح
بين انتظار المفقود ومعرفة المصير.. زوجات المختفين قسراً يواجهن إرثاً ثقيلاً من الفقد والنزوح
● مجتمع ١٨ سبتمبر ٢٠٢٦

بين انتظار المفقود ومعرفة المصير.. زوجات المختفين قسراً يواجهن إرثاً ثقيلاً من الفقد والنزوح

حملت آلاف السوريات خلال سنوات الحرب في سوريا أعباءً مضاعفة بعد اعتقال أزواجهن واختفائهم على يد نظام الأسد البائد، إذ انتقلن فجأة من حياة أسرية يتقاسمن فيها المسؤوليات إلى مواجهة الغياب وحدهن، بين تربية الأبناء وتأمين لقمة العيش والنزوح المتكرر والبحث عن معلومة قد تكشف مصير الزوج، فيما امتد الانتظار لدى بعضهن سنوات طويلة دون جواب.

وتختلف نهايات هذه القصص دون أن تختلف قسوتها كثيراً، فبين زوجة ما تزال تنتظر خبراً عن زوجها حتى اليوم، وأخرى عرفت بعد سنوات أنه قتل في المعتقل، تستمر تبعات الاختفاء على الأسرة، ويتحول غياب شخص واحد إلى سلسلة من الأزمات المعيشية والاجتماعية والنفسية التي تمتد إلى الزوجة والأبناء.

سبعة أطفال وانتظار مستمر منذ عام 2016

روت روعة المحمد، وهو اسم مستعار، لشبكة شام الإخبارية، أن حياتها تغيرت بالكامل بعد اختفاء زوجها عام 2016، موضحة أنهما كانا يقيمان في مدينة منبج قبل انتقالهما إلى الشمال السوري، ثم غادر زوجها لاحقاً لإحضار أثاث المنزل ولم يعد منذ ذلك اليوم.

وقالت إن أخباراً متناقضة بدأت تصل إليها بعد اختفائه، بين من أخبرها بأنه توفي ومن قال إنه لا يزال معتقلاً، لكنها لم تحصل حتى اليوم على معلومة حاسمة تكشف مصيره، لتبقى معلقة بين احتمال عودته والخشية من أن تكون قد فقدته منذ سنوات.

وأوضحت روعة أنها كانت في الثلاثين من عمرها وحاملاً بطفلها الأخير عندما اختفى زوجها، فيما وجدت نفسها مسؤولة عن سبعة أطفال، أربع بنات وثلاثة صبيان، بينهم طفلها الذي ولد بعد غياب والده ويبلغ اليوم عشر سنوات.

واضطرت خلال مراحل من حياتها إلى العمل في معمل للحفاضات مقابل أجر محدود لم يكن يكفي لتغطية احتياجات الأسرة، بينما ساعدتها مساعدات يقدمها أهل الخير بين حين وآخر على تجاوز بعض الظروف الصعبة، دون أن توفر لها ولأطفالها مصدر دخل مستقر.

وأضافت أن أحد أبنائها، ويبلغ 16 عاماً، يعاني من المرض ويعمل في متجر لتغطية نفقات علاجه، فيما تضطر هي إلى الاقتراض لتأمين احتياجات المنزل، مشيرة إلى أن ديونها وصلت إلى نحو 700 دولار، في ظل عجز الأسرة عن توفير العديد من متطلبات الحياة الأساسية.

ولم تتوقف الضغوط عند حدود المعيشة، إذ قالت روعة إنها تعرضت خلال السنوات الماضية لضغوط من أفراد في عائلتها وأقاربها للزواج مجدداً، لكنها رفضت واختارت الاستمرار في رعاية أطفالها، بينما بقي السؤال عن مصير زوجها مفتوحاً بعد عقد من اختفائه.

ثماني سنوات من الانتظار انتهت بصورة

عاشت قدر المحمود، وهو اسم مستعار أيضاً، تجربة أخرى بدأت باعتقال زوجها في 13 تشرين الثاني/نوفمبر 2012، ولا تزال تحفظ تفاصيل ذلك اليوم بدقة، إذ قالت لشبكة شام الإخبارية إنها كانت في الرابعة والعشرين عندما اعتقل عند أول حاجز في مدينة إنخل بريف درعا، عند الساعة الواحدة من ظهر يوم الثلاثاء.

وذكرت أن زوجها كان يعمل مع التنسيقيات ويساعد عسكريين على الانشقاق وينقلهم من مناطق سيطرة نظام الأسد البائد إلى المناطق المحررة، قبل أن يؤدي اعتقاله إلى بداية رحلة طويلة من البحث والانتظار والنزوح.

وانتقلت قدر، التي كانت موجودة في دمشق حين اعتقل زوجها، إلى معرة النعمان في ريف إدلب، ثم أجبرتها حملات القصف والنزوح على الانتقال مجدداً حتى وصلت إلى مدينة أعزاز، حيث ما تزال تقيم، لتجد نفسها خلال تلك السنوات مسؤولة وحدها عن بناتها في ظل غياب المعيل وفقدان الاستقرار.

وانتظرت ثماني سنوات وعشرة أشهر قبل أن تصلها الإجابة التي خشيتها طوال تلك المدة، إذ قالت إنها تعرفت إلى جثة زوجها ضمن صور ضحايا التعذيب التي عُرفت باسم "صور قيصر"، لتنتهي سنوات البحث عن مصيره بمعرفة مقتله في معتقلات نظام الأسد البائد.

ثلاث طفلات كبرن في غياب والدهن

استذكرت قدر بداية تلك المرحلة قائلة: "عند اعتقاله، كان لدي ثلاث طفلات، أصغرهن كانت تبلغ سنة وشهرين، فيما كانت الكبرى في الصف الثالث والوسطى في الصف الثاني"، موضحة أنها لم تجد من يعيلها من عائلتها أو عائلة زوجها، واضطرت إلى تحمل مسؤولية بناتها بمفردها.

وأكدت أنها تمسكت بتعليمهن رغم صعوبة الظروف، لأنها أرادت لهن مستقبلاً يمنحهن القدرة على الاعتماد على أنفسهن، وبعد سنوات من النزوح والضيق المادي وصلت اثنتان من بناتها إلى الجامعة، لكن تحقيق هذا الهدف فتح أمام الأسرة تحدياً جديداً يتعلق بتكاليف الدراسة والمواصلات والحياة اليومية.

وأشارت إلى أنها تضطر اليوم إلى الاستدانة لتغطية نفقات ابنتيها الجامعيتين واحتياجات المنزل، في وقت تعاني فيه هي أيضاً من مشكلات صحية تحتاج إلى متابعة وعلاج مستمرين.

المرض أضيف إلى أعباء الفقد

كشفت قدر أنها بعد نحو أسبوعين من تعرفها إلى صورة زوجها بين صور قيصر اكتشفت وجود كتلة سرطانية في رقبتها، وأنها تعاني اليوم من السرطان والسكري وارتفاع ضغط الدم ومشكلات في الغدة، ما يفرض عليها نفقات مستمرة للأدوية والتحاليل والصور الطبية.

وقالت إن ضعف الإمكانات المادية وصل بها خلال الشتاء الماضي إلى عدم القدرة على تركيب مدفأة في المنزل، معتبرة أن زوجات المعتقلين والمختفين قسراً بحاجة إلى مصدر دخل ثابت يحفظ لهن القدرة على إعالة أسرهن دون الاضطرار بصورة مستمرة إلى الاستدانة أو طلب المساعدة.

وطالبت بتوفير فرص عمل للزوجات وبنات الأسر المتضررة، ودعم تعليم الأبناء، وتأمين الاحتياجات الغذائية والأدوية، مؤكدة أن تجربتها تتكرر لدى نساء كثيرات وجدن أنفسهن أمام فقدان المعيل وتكاليف الحياة وآثار سنوات النزوح في وقت واحد.

الغياب خلّف مسؤوليات تتجاوز البحث عن المصير

ويؤكد ناشطون في مجال حقوق الإنسان أن قضية زوجات المعتقلين والمختفين قسراً لا تتوقف عند معرفة مصير الأزواج، إذ تحتاج هذه الأسر إلى برامج تساعدها على بناء قدر من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي بعد سنوات طويلة تحملت خلالها النساء مسؤولية إعالة أبنائهن في ظروف شديدة الصعوبة.

ويشيرون إلى أهمية توفير فرص عمل ومصادر دخل مستدامة، ودعم تعليم الأبناء وتأمين الاحتياجات الأساسية للأسر الأكثر هشاشة، إلى جانب خدمات الدعم النفسي التي تساعد النساء والأطفال على التعامل مع الآثار المتراكمة للفقد والانتظار والنزوح.

ويشددون كذلك على الحاجة إلى مساعدة قانونية تتيح للزوجات متابعة ملفات أزواجهن والوصول إلى المعلومات المتعلقة بالمختفين، وتوثيق الحالات، ومعالجة ما يرتبط بالغياب من قضايا قانونية ومدنية ومالية، بما يساعد الأسر على الوصول إلى حقوقها.

وتكشف قصتا روعة وقدر وجهين لمأساة واحدة، الأولى ما تزال تنتظر منذ عام 2016 جواباً يخبرها أين زوجها وما الذي حدث له، والثانية انتظرت ثماني سنوات وعشرة أشهر قبل أن تجد الجواب في صورة لجثمانه، وبين الانتظار ومعرفة المصير تستمر حياة الأسر بما تركه الاختفاء من ديون ومرض وأبناء كبروا دون آبائهم ونساء حملن طوال سنوات مسؤوليات لم يخترنها، فيما يبقى كشف مصير المفقودين وإنصاف عائلاتهم ومعالجة آثار الغياب واحداً من أثقل الملفات التي خلفها نظام الأسد البائد.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ