عيد الأضحى في وعي الطفل.. بين المشاركة والتوجيه الأسري
عيد الأضحى في وعي الطفل.. بين المشاركة والتوجيه الأسري
● مجتمع ٢٦ مايو ٢٠٢٦

عيد الأضحى في وعي الطفل.. بين المشاركة والتوجيه الأسري

مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، لا يقتصر التحضير على الكبار فقط، بل يمتد ليشمل الأطفال الذين يعيشون أجواء مختلفة تمزج بين الفرح والفضول والتساؤلات، وبينما ينشغل الأهل بتفاصيل العيد، يبرز سؤال مهم داخل كثير من البيوت: كيف يمكن للطفل أن يفهم معنى هذه المناسبة، وأن يتعامل معها بطريقة تربوية تبني لديه قيماً وسلوكاً إيجابياً، بدل أن تبقى فقط عبارة عن طقوس يراها دون إدراك معناها العميق.

وفي هذا السياق، قالت الباحثة الاجتماعية إنعام دحام سرحان، ماجستير في العلوم والبحوث السكانية – قسم حماية الأسرة، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن زرع القيم الدينية في الطفل وتعليمه شعائر عيد الأضحى يحتاج إلى الجمع بين القدوة الحسنة والأنشطة التفاعلية البسيطة والممتعة، مؤكدة أن الطفل بطبيعته يقلّد أفعال والديه قبل أقوالهم، ما يجعل القدوة العملية الركيزة الأساسية في بناء السلوك الديني لديه.

وأوضحت أن عملية غرس القيم تقوم على مجموعة من الأسس التربوية، من بينها الربط بين العبادات ومحبة الله والرحمة بدلاً من الخوف، واعتماد القصص الهادفة، مثل قصص الأنبياء، بأسلوب مشوّق ومبسط يتناسب مع عمر الطفل، إلى جانب التحفيز الإيجابي عبر مدح السلوكيات الأخلاقية كالأمانة ومساعدة الآخرين، فضلاً عن أهمية توفير بيئة صالحة تُشرك الطفل في أنشطة المسجد والمجتمعات الإيجابية التي تعزز سلوكه الديني والاجتماعي.

وبيّنت سرحان أن تعليم الطفل شعائر عيد الأضحى يتطلب تبسيط المعاني وربطها بالتجربة الحسية، بدءاً من قصة الفداء الخاصة بسيدنا إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، مروراً بمشاركة الطفل في ترديد تكبيرات العيد داخل المنزل وفي أثناء التنقل، ووصولاً إلى إشراكه في رؤية الأضحية والتعرف على معنى الرفق بالحيوان، إضافة إلى إدخاله في تجربة توزيع لحوم الأضاحي على الفقراء والجيران، وتعزيز مفهوم صلة الرحم عبر مشاركته في تجهيز الهدايا وزيارة الأقارب والأصدقاء.

ولفتت إلى أن الأنشطة التفاعلية تلعب دوراً محورياً في تثبيت هذه المفاهيم في ذهن الطفل، مثل إشراكه في اختيار وترتيب ملابس العيد، وصناعة مجسمات رمزية للكعبة أو الخروف، وتخصيص حصالة للصدقة يجمع فيها التبرعات، فضلاً عن إعداد بطاقات معايدة يوزعها بنفسه، بما يحول المفاهيم الدينية إلى سلوك عملي ملموس.

وأشارت إلى أهمية مراعاة الفروق العمرية في تقديم مفاهيم العيد، إذ يقتصر التركيز في المرحلة الأولى من (2 إلى 4 سنوات) على البهجة والمظاهر الخارجية مثل الملابس والهدايا والتكبيرات، بينما تُبنى المرحلة الثانية (من 5 إلى 7 سنوات) على القصص والمشاركة الرمزية في الأنشطة، في حين تُعالج المرحلة الثالثة (من 8 إلى 11 سنة) الفهم العميق للحكمة من الشعائر، وتحمل المسؤولية، وتعزيز الإدراك الاجتماعي والديني.

وشددت على ضرورة التدرج في طرح المعلومات، والإجابة عن أسئلة الطفل بما يناسب قدراته العقلية، مع تجنب أي أسلوب يقوم على التخويف أو ربط الشعائر الدينية بالعنف أو القلق، كما أوضحت أن الاحتفال بالعيد يسهم بشكل مباشر في تعزيز شعور الطفل بالانتماء والأمان النفسي، إذ يعزز الهوية الدينية والخصوصية الثقافية، ويقوي الإحساس بالانتماء للأمة والمجتمع من خلال الشعائر الجماعية مثل الصلاة والتكبيرات، إضافة إلى ترسيخ الروابط الأسرية.

وأضافت في تصريح خاص لـ شام أن هذا الاحتفال يرسّخ الأمان النفسي لدى الطفل عبر تكرار الطقوس السنوية وما تمنحه من استقرار وتوقع، إلى جانب مساهمته في تصفية الخلافات بين الكبار، وإشعار الطفل بالقبول من خلال الهدايا والثناء، فضلاً عن دوره في تفريغ الضغوط النفسية عبر أجواء اللعب والاحتفال.

ونوّهت بأن هذه التجارب تسهم في تشكيل ما وصفته بـ"الملاذ النفسي الآمن"، حيث تتحول الذكريات الإيجابية إلى رصيد وجداني يرافق الطفل في مراحل لاحقة من حياته، ويساعده على مواجهة الضغوط واستحضار مشاعر الطمأنينة عند الحاجة.

يرى باحثون اجتماعيون أن مشاركة الطفل في أجواء عيد الأضحى بشكل مباشر تسهم في تعزيز شعوره بالانتماء، وتساعده على بناء ارتباط إيجابي بالمناسبات الدينية والاجتماعية، من خلال التجربة الحسية والممارسة الفعلية وليس التلقي النظري فقط، كما يوضحون أن هذه المشاركة تُسهم في ترسيخ قيم التعاون والعطاء والتفاعل داخل الأسرة والمجتمع، بما ينعكس على سلوكه في مراحل لاحقة من حياته.

ويشير الباحثون إلى أن غياب التوجيه الأسري خلال هذه المناسبة أو الاكتفاء بالمظاهر الشكلية قد يجعل الطفل يكتسب فهماً سطحياً للعيد، دون إدراك لمعانيه التربوية والإنسانية، ويؤكدون أن دور الأسرة يبقى محورياً في تحويل هذه المناسبة إلى تجربة تعليمية متكاملة تُعزز القيم وتدعم النمو الاجتماعي والنفسي للطفل.

وتبقى مشاركة الطفل في أجواء عيد الأضحى فرصة لتعزيز القيم الدينية والاجتماعية لديه، وتوسيع فهمه لمعاني هذه المناسبة بما يتجاوز المظاهر الاحتفالية، كما يظل دور الأسرة أساسياً في توجيه هذه التجربة بالشكل الذي يحقق التوازن بين الفرح والتربية.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ