حين تتحول الكلمات إلى أذى.. العنف اللفظي وتداعياته في المجتمع السوري
حين تتحول الكلمات إلى أذى.. العنف اللفظي وتداعياته في المجتمع السوري
● مجتمع ٢٣ أبريل ٢٠٢٦

حين تتحول الكلمات إلى أذى.. العنف اللفظي وتداعياته في المجتمع السوري

عند ذكر كلمة العنف، يتبادر إلى أذهان كثيرين مشاهد الضرب المبرح والأذى الجسدي، إلا أن العنف لا يقتصر على هذا الشكل فقط، فهناك أنماط أخرى قد تكون أقل وضوحاً لكنها لا تقل خطورة، إذ قد تتحول الكلمة في بعض الأحيان إلى أداة إيذاء، خاصة عندما تحمل في طياتها إساءة أو إهانة أو اتهاماً، وتترك أثراً نفسياً عميقاً لدى المتلقي، لتندرج ضمن ما يُعرف بالعنف اللفظي.

تتعدد أشكال الأذى اللفظي، من أبرزها الإهانات المباشرة والشتائم، والتقليل من شأن الطرف الآخر، إضافة إلى الصراخ المتكرر واستخدام نبرة تهديدية في الحديث، وتوجيه الاتهامات المستمرة واللوم المفرط، واستخدام كلمات جارحة تمس الكرامة الشخصية، وغيرها من الأساليب التي تجعل الضحية عرضة لضغط نفسي متواصل يؤثر على ثقته بنفسه وشعوره بالأمان.

وتتنوع أسباب وجود ظاهرة العنف اللفظي في سوريا، وغالباً ما ترتبط بعوامل نفسية واجتماعية واقتصادية، من أبرزها الضغوط النفسية والمعيشية مثل الفقر والبطالة والتوتر اليومي، ما يدفع بعض الأشخاص إلى تفريغ غضبهم بالكلام الجارح.

 كما تلعب التنشئة والتربية دوراً مهماً في ترسيخ هذا السلوك، إذ إن الشخص الذي نشأ في بيئة تعتمد على الصراخ أو الإهانة كأسلوب للتعامل مع الآخرين يكتسب هذا النمط ويعيد إنتاجه.

إلى جانب ذلك، يسهم ضعف مهارات التواصل لدى بعض الأفراد في تفاقم الظاهرة، نتيجة عدم قدرتهم على التعبير عن مشاعرهم بطرق صحية، فضلاً عن سعي البعض لفرض السيطرة أو إثبات القوة من خلال استخدام الكلمات المؤذية، في ظل غياب الوعي الكافي بخطورة هذا النوع من العنف وآثاره النفسية العميقة.

يؤدي العنف اللفظي إلى العديد من التداعيات السلبية التي تحمل آثاراً عميقة وممتدة على الأفراد، إذ ينعكس بشكل مباشر على حالتهم النفسية، مسبباً شعوراً دائماً بالقلق والخوف وفقدان الأمان، كما يضعف الثقة بالنفس ويؤثر على تقدير الذات، خاصة لدى الأطفال والنساء.

كما قد يتطور أثره ليشمل اضطرابات نفسية مثل الاكتئاب والعزلة الاجتماعية، وصعوبة في بناء علاقات صحية مع الآخرين، إضافة إلى تراجع الأداء الدراسي أو المهني نتيجة الضغط النفسي المستمر، وفي بعض الحالات، قد يدفع التعرض المتكرر للعنف اللفظي إلى تبني السلوك نفسه وإعادة إنتاجه في التعامل مع الآخرين، ما يساهم في استمرارية هذه الظاهرة داخل المجتمع.

قالت الكاتبة الصحفية إيمان سرحان، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن الحد من ظاهرة العنف اللفظي في سوريا يتطلب تضافر جهود مختلف الجهات، بدءاً من الأسرة التي يقع على عاتقها دور أساسي في ترسيخ أساليب تربية قائمة على الحوار والاحترام، والابتعاد عن الصراخ والإهانة في التعامل اليومي.

وأشارت إلى ضرورة تعزيز الوعي المجتمعي بخطورة هذا النوع من العنف وآثاره النفسية العميقة، وصولاً إلى أهمية دور المدارس في تنمية مهارات التواصل لدى الأطفال وتعليمهم التعبير عن مشاعرهم بطرق صحية.

وأكدت أن توفير الدعم النفسي، خاصة في ظل الضغوط المعيشية والاقتصادية، يعد عاملاً مهماً في الحد من انتشار هذه الظاهرة، إلى جانب العمل على تخفيف تلك الضغوط عن الأسر، وتعزيز ثقافة الاحترام داخل المجتمع، بما يسهم في بناء بيئة أكثر أماناً واستقراراً على المستوى النفسي والاجتماعي.

ونوهت المعلمة رائدة المحمد، في حديث لـ“شام”، إلى أن مواجهة العنف اللفظي تبدأ برفع مستوى الوعي بآثاره السلبية على الصحة النفسية، مستشهدة بقول النبي محمد ﷺ: “الكلمة الطيبة صدقة”، في إشارة إلى أهمية الكلمة وأثرها في العلاقات بين الناس.

وأوضحت أن استخدام الألفاظ الحسنة ينعكس بشكل إيجابي على نفوس الآخرين، مضيفة أن الصحة النفسية تُعد أساساً لسلامة الإنسان، ما يستدعي تجنّب الانفعال والغضب قدر الإمكان، كما دعت إلى اعتماد مهارات تواصل قائمة على الاحترام المتبادل، مع مراعاة المساحة الشخصية ووضع حدود واضحة في التعامل مع الآخرين.

ويرى أخصائيون نفسيون أن العنف اللفظي قد يؤثر على طريقة تفكير الفرد وسلوكه، إذ يساهم في تكوين صورة سلبية عن الذات وزيادة الحساسية تجاه النقد، كما قد يؤدي إلى صعوبات في التعبير عن المشاعر أو التواصل مع الآخرين، سواء بالانطواء أو بردود فعل حادة، إضافة إلى بقاء أثر التجارب السلبية في الذاكرة واستعادتها في مواقف لاحقة.

ويؤكدون أن مكافحة هذه الظاهرة تتطلب معالجة عميقة للأسباب النفسية والسلوكية التي تقف خلفه، منوهين إلى أن هذا النوع من العنف غالباً ما يكون انعكاساً لضغوط داخلية أو تجارب سابقة لم يتم التعامل معها بشكل صحي، ما يدفع الأفراد إلى تفريغ مشاعرهم السلبية من خلال الكلمات الجارحة.

ويشير الأخصائيون إلى أهمية تعزيز الوعي بأساليب التعبير السليم عن المشاعر، وتوفير الدعم النفسي للأفراد، خاصة الأطفال، إلى جانب تدريب الأهالي والمعلمين على اعتماد أساليب تواصل قائمة على الاحتواء والحوار، مؤكدين أن بناء بيئة آمنة نفسياً يسهم بشكل كبير في الحد من انتشار هذه الظاهرة ويعزز العلاقات الصحية داخل المجتمع.

ويُعدّ العنف اللفظي من الظواهر السلبية في المجتمع السوري، إذ تترك آثاره على نفسية الأفراد وتنعكس على سلوكهم اليومي وأدائهم في مختلف جوانب الحياة، كما تظهر هذه الآثار في تفاصيل التعاملات اليومية وما تخلّفه من توتر في العلاقات بين الأفراد، سواء داخل الأسرة أو في محيط العمل أو في الفضاء العام.

الكاتب: فريق العمل - سيرين المصطفى
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ