بين المساءلة والتشهير.. قضية حسان عقاد تفتح ملف الحريات العامة في سوريا
أثارت قضية صانع المحتوى والناشط الإعلامي حسان عقاد خلال الأيام الماضية موجة واسعة من النقاشات والتفاعلات في الأوساط السورية، بعدما تحولت من شكوى قانونية بين شخصين إلى قضية رأي عام فتحت الباب أمام أسئلة جوهرية تتعلق بمستقبل الحريات العامة، وآليات تطبيق القانون، وحدود النقد والمساءلة في سوريا خلال المرحلة الانتقالية الحالية.
وبدأت القضية مع تقدم الإعلامي موسى العمر بشكوى ضد حسان عقاد لدى وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية في وزارة الداخلية، متضمّنة اتهامات تتعلق بالتشهير والإساءة ومع انتشار أنباء استدعاء عقاد ومتابعة القضية قانونياً، تصاعدت ردود الفعل على منصات التواصل الاجتماعي.
وتحولت القضية إلى محور نقاش واسع تجاوز أطرافها المباشرين، وأعاد إلى الواجهة ملفات حساسة ترتبط بعلاقة السلطة بالحريات العامة ودور القضاء في إدارة النزاعات المرتبطة بالرأي والتعبير.
ومع اتساع الجدل، أصدرت وزارة الإعلام توضيحاً رسمياً على لسان مدير إدارة الشؤون الصحفية والتراخيص عمر حاج أحمد، أكد فيه أن الشكوى المقدمة من موسى العمر هي السبب المباشر للإجراءات المتعلقة بعقاد، موضحاً أن الوزارة سعت منذ البداية إلى معالجة القضية وفق نهج يقوم على الحوار والتفاهم بين الأطراف قبل الوصول إلى المسار القضائي.
وأوضح حاج أحمد أن وزارة الإعلام قامت بدعوة حسان عقاد إلى مقر الوزارة، كما تواصلت مع موسى العمر وطلبت منه سحب الشكوى، في إطار مساعٍ تهدف إلى الوصول إلى حل يرضي الطرفين ويجنب القضية المزيد من التصعيد.
كما شدد على أن الوزارة تأمل إنهاء الملف من خلال التفاهمات الممكنة بين الطرفين، مؤكداً في الوقت نفسه أن وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية ستتابع الإجراءات القانونية وفق الأصول المعتمدة في حال استمرار الشكوى وعدم سحبها.
وحمل التوضيح الرسمي أهمية خاصة في ظل انتشار تكهنات واسعة على منصات التواصل الاجتماعي ربطت بين القضية وبين المحتوى الذي ينشره عقاد حول ملفات الفساد والخدمات والشأن العام.
إلا أن وزارة الإعلام أكدت بشكل واضح أن استدعاء عقاد لا يرتبط بأي محتوى آخر نشره عبر حساباته ومنصاته الرقمية، وإنما جاء حصراً على خلفية الشكوى المقدمة من موسى العمر.
ورغم هذا التوضيح، لم تتراجع حدة النقاشات، بل ازدادت مع دخول عدد كبير من الإعلاميين والحقوقيين والناشطين على خط القضية. فقد رأى فريق من المتابعين أن اللجوء إلى القضاء حق قانوني طبيعي ومكفول لكل مواطن وأن أي شخص يعتبر نفسه متضرراً من محتوى منشور يملك الحق في استخدام الوسائل القانونية للدفاع عن حقوقه وسمعته.
في المقابل، ركزت غالبية الآراء المنتقدة على طبيعة الإجراءات المتخذة أكثر من تركيزها على أصل الشكوى نفسها واعتبر أصحاب هذه المواقف أن القضية تثير مخاوف مرتبطة بإمكانية استخدام إجراءات التوقيف أو الملاحقة القانونية في قضايا الرأي والنقد العام، محذرين من أن أي انطباع بوجود تضييق على حرية التعبير قد ينعكس سلباً على الثقة العامة بالمؤسسات التي تعمل الدولة على إعادة بنائها.
كما أعادت القضية إلى الواجهة نقاشاً قديماً ومتجدداً حول مفهوم النقد المشروع وحدود المساءلة العامة فالكثير من المتضامنين مع عقاد رأوا أن الشخصيات العامة التي تعمل في المجال الإعلامي أو السياسي أو الخدمي يجب أن تكون مستعدة لتقبل النقد والمساءلة المجتمعية، باعتبار أن ذلك يشكل جزءاً أساسياً من الحياة العامة في أي دولة تسعى إلى ترسيخ مبادئ الشفافية والمحاسبة.
وفي السياق ذاته، اعتبر ناشطون أن النقاش الحقيقي لا يتعلق بأسماء الأشخاص بقدر ما يتعلق بالمبادئ التي ستُبنى عليها المرحلة المقبلة فبالنسبة لهؤلاء، لا تكمن أهمية القضية في حسان عقاد أو موسى العمر بحد ذاتهما، بل في الطريقة التي ستتعامل بها المؤسسات الرسمية والقضائية مع القضايا المشابهة مستقبلاً، ومدى قدرتها على تحقيق التوازن بين حماية السمعة الشخصية للأفراد وبين صون حق المواطنين في النقد والتعبير وإثارة قضايا الشأن العام.
كما برزت خلال النقاشات مخاوف متعلقة باستقلال القضاء وحياده، حيث شدد حقوقيون وناشطون على أن نجاح الدولة في ترسيخ الثقة بمؤسساتها يرتبط بشكل مباشر بقدرة السلطة القضائية على العمل بمعزل عن أي تأثيرات سياسية أو اجتماعية أو إعلامية وأكدت هذه المواقف أن العدالة لا تقاس فقط بوجود القوانين، بل أيضاً بمدى المساواة في تطبيقها على الجميع دون استثناء أو تمييز.
في المقابل، دعا عدد من الإعلاميين والناشطين إلى تجنب تحويل القضية إلى ساحة للتخوين أو التحريض أو تصفية الحسابات الشخصية، مؤكدين أن الاحتكام إلى القانون واحترام المؤسسات القضائية يجب أن يبقى المسار الأساسي لمعالجة الخلافات مهما كانت طبيعتها، مع ضرورة الحفاظ في الوقت نفسه على الضمانات المرتبطة بحرية الرأي والتعبير.
وتكشف ردود الفعل الواسعة التي رافقت القضية عن حجم التحولات التي يشهدها المجتمع السوري بعد سنوات طويلة من الصراع والاستقطاب السياسي. فالقضايا المرتبطة بالحريات العامة واستقلال القضاء والشفافية لم تعد شأناً نخبوياً يقتصر على السياسيين أو الحقوقيين، بل أصبحت جزءاً من النقاش اليومي لدى شريحة واسعة من السوريين الذين يتابعون باهتمام شكل العلاقة الجديدة بين الدولة والمجتمع.
وفي ظل استمرار الجدل وتعدد القراءات السياسية والقانونية والإعلامية للقضية، تبدو قضية حسان عقاد وموسى العمر أكثر من مجرد نزاع قانوني عابر، إذ تحولت إلى اختبار حقيقي لمدى قدرة المؤسسات السورية على إدارة التوازن الدقيق بين إنفاذ القانون وحماية الحريات العامة، وهي معادلة ستبقى حاضرة بقوة في مختلف الملفات المشابهة خلال المرحلة المقبلة.
في حين لا يمكن فهم حجم التفاعل الذي رافق قضية حسان عقاد بمعزل عن الدور الذي لعبه خلال الأشهر الماضية عبر حملته المعروفة بعنوان "هاتوا الفلوس اللي عليكم"، وهي الحملة التي تحولت إلى واحدة من أكثر المبادرات الرقمية انتشاراً في سوريا بعد سقوط النظام.
واعتمدت الحملة على نشر وثائق ومعلومات ومطالبات علنية بفتح ملفات مالية واقتصادية اعتبر أصحابها أنها تمثل جزءاً من حقوق السوريين والأموال التي يجب أن تعود إلى خزينة الدولة.
في المقابل، يرى آخرون أن أي نشاط إعلامي أو رقابي، مهما كانت أهدافه، يجب أن يلتزم بالأطر القانونية والمهنية، وأن مكافحة الفساد لا تعفي أي شخص من المسؤولية القانونية في حال ثبت ارتكابه مخالفات تتعلق بالتشهير أو الإساءة أو نشر معلومات غير موثقة ولذلك تحولت النقاشات حول الحملة نفسها إلى جزء من الجدل الأوسع الدائر حول العلاقة بين حرية العمل الإعلامي ومتطلبات الالتزام بالقانون.