حوادث السير في سوريا… الإطار القانوني والعقوبات وفق جسامة الخطأ
تُعد حوادث السير من القضايا اليومية التي تحمل في طياتها أبعاداً قانونية وإنسانية معقدة، خاصة عندما تسفر عن إصابات جسدية تترك آثاراً مباشرة على حياة الأفراد، ومع تزايد هذه الحوادث في سوريا، تبرز أهمية توضيح المسؤولية القانونية التي تترتب على السائق المتسبب، والحقوق التي يكفلها القانون للشخص المصاب.
وكان وسام زيدان، مدير إدارة البحث والإطفاء والإنقاذ في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، قد ذكر في تصريح سابق لشبكة شام الإخبارية، أن فرق الطوارئ والإنقاذ استجابت خلال عام 2025 إلى 2944 حادث سير في مختلف المحافظات السورية، ما أسفر عن 2661 إصابة متفاوتة، حيث عملت الفرق على نقل المصابين إلى المشافي والنقاط الطبية، فيما أدت هذه الحوادث خلال العام نفسه إلى وفاة 165 شخصاً.
وتابع أن الفرق استجابت خلال العام 2026 وحتى منتصف الشهر الخامس منه إلى 1509 حوادث سير، نتج عنها 1334 إصابة متفاوتة، مع استمرار عمليات نقل المصابين إلى المشافي والنقاط الطبية، لافتاً إلى أن هذه الحوادث تسببت في وفاة 81 شخصاً.
وأشار إلى أن من أبرز الأسباب الأكثر شيوعاً لحوادث السير السرعة الزائدة، إلى جانب القيادة المتهورة وبعض الاستعراضات التي يقوم بها سائقو الدراجات النارية، موضحاً أن ضعف البنية التحتية للطرق والبنية التحتية المتعلقة بإشارات المرور يشكلان عاملاً مهماً في ارتفاع نسب الحوادث.
وبيّن أن الأعطال الفنية في المركبات تُعد من الأسباب الرئيسية أيضاً، خاصة مع وجود مركبات متهالكة ما تزال قيد الاستخدام، ما يرفع من احتمالية وقوع الحوادث بشكل متكرر، ولفت إلى أن ضعف الرقابة في تطبيق القوانين المرورية بحزم يسهم في تفاقم المشكلة، ما يؤدي إلى قيادة المركبات من قبل أشخاص غير مؤهلين ولا يملكون رخص القيادة.
وبين هذه الأرقام المتصاعدة، تبرز تساؤلات حول كيفية تعامل القانون السوري مع حوادث السير، وحدود المسؤولية التي يتحملها السائق المتسبب، خاصة في الحالات التي تسفر عن إصابات أو وفيات.
حوادث السير بين المخالفة والجريمة
قال المحامي باسل محمد موسى، الباحث القانوني والأستاذ لدى نقابة المحامين في دمشق، في حديث لـ شام، إن المشرّع السوري لا يورد تعريفاً حصرياً لحادث السير، إلا أن الفقه والاجتهاد القضائي استقرا على اعتباره كل واقعة تنشأ عن استعمال مركبة على الطريق العام أو في الأماكن المخصصة للسير، ويترتب عليها ضرر مادي أو جسدي أو وفاة نتيجة خطأ أو إهمال أو مخالفة لأحكام قانون السير.
وأضاف أن مجرد وقوع الحادث لا يعني بالضرورة قيام جريمة، فإذا اقتصر الأمر على مخالفة قواعد المرور أو نتج عنه أضرار مادية فقط، فإن الواقعة تبقى ضمن نطاق المخالفات المرورية التي تعالج وفق أحكام قانون السير وما يفرضه من غرامات أو تدابير إدارية، أما إذا أسفر الحادث عن إصابات جسدية أو وفاة بسبب الإهمال أو الرعونة أو عدم الاحتراز أو مخالفة القوانين والأنظمة، فإنه يكتسب وصف الجريمة ويخضع لأحكام قانون العقوبات السوري إلى جانب أحكام قانون السير.
وأشار إلى أن المسؤولية القانونية التي تقع على السائق في حال التسبب بأضرار مادية أو إصابات تتوزع على ثلاثة أنواع، أولها المسؤولية الجزائية إذا ثبت أن الحادث وقع نتيجة خطأ جزائي كالإهمال أو مخالفة قواعد السير، ويترتب عليها العقوبات التي يقررها قانون العقوبات وقانون السير.
ونوّه إلى المسؤولية المدنية التي تقوم على قواعد المسؤولية التقصيرية، وتُلزم المتسبب بتعويض جميع الأضرار المادية والجسدية والمعنوية متى ثبت الخطأ والضرر والعلاقة السببية بينهما، ولفت إلى المسؤولية التأمينية، حيث يؤدي نظام التأمين الإلزامي دوراً أساسياً في ضمان حقوق المتضررين وفق الحدود والشروط التي رسمها القانون، مع احتفاظ الجهة الضامنة بحق الرجوع على السائق في الحالات التي نص عليها التشريع، كالسياقة دون رخصة أو تحت تأثير المسكرات أو المخدرات أو غيرها من الحالات المحددة قانوناً.
العقوبات القانونية وتشديد المسؤولية
وذكر أن العقوبات القانونية المترتبة على حوادث السير التي تؤدي إلى إصابات أو وفيات تختلف بحسب النتيجة التي ترتبت على الحادث ومدى جسامة الخطأ المرتكب، فإذا نتجت إصابات بسيطة تكون العقوبة أخف، وتزداد تدريجياً كلما ازدادت جسامة الإصابة أو ترتب عليها عجز دائم.
وتحدث عن أنه في حال أدى الحادث إلى وفاة شخص، فإن السائق يُساءل عن جريمة التسبب بالوفاة غير المقصودة متى ثبت أن الوفاة كانت نتيجة إهماله أو رعونته أو مخالفته للقوانين والأنظمة، ويواجه عقوبات قد تشمل الحبس والغرامة، إضافة إلى التدابير الإدارية المتعلقة برخصة القيادة أو المركبة وفقاً لأحكام قانون السير، مبيناً أن تقدير العقوبة يبقى من اختصاص المحكمة التي تراعي ظروف الواقعة وجسامة الخطأ والنتائج المترتبة عليه.
وأوضح أن السرعة الزائدة وقطع الإشارة الضوئية والتجاوز الخاطئ والقيادة تحت تأثير الكحول أو المواد المخدرة واستعمال الهاتف المحمول أثناء القيادة وعدم مراعاة قواعد الأولوية أو مسافة الأمان، تعد من صور الخطأ الجسيم التي تؤثر في تقدير المسؤولية الجزائية، وأكد أن كلما ارتفعت درجة الإهمال أو جسامة المخالفة، اتجهت المحكمة إلى تشديد العقوبة، لأن هذه الأفعال تدل على إخلال واضح بواجب الحيطة والحذر الذي يفرضه القانون على كل سائق حفاظاً على سلامة مستخدمي الطريق.
وشدد على أن من أبرز الأخطاء العملية التي تظهر في الدعاوى المرورية القيادة بسرعة تتجاوز الحدود القانونية، واستعمال الهاتف المحمول أو أي وسيلة تشغل السائق عن الطريق، وتجاوز الإشارة الحمراء أو مخالفة قواعد الأولوية، والقيادة تحت تأثير الكحول أو المواد المخدرة، وإهمال الصيانة الدورية للمركبة ولا سيما المكابح والإطارات والأنوار، وتحريك المركبة أو تغيير معالم الحادث قبل استكمال الكشف الفني إلا عند الضرورة التي تقتضيها السلامة العامة.
وأفاد بأن مغادرة مكان الحادث أو الامتناع عن إسعاف المصابين أو إبلاغ الجهات المختصة يعد سلوكاً قد يُعد ظرفاً مشدداً ويؤثر سلباً في تقدير المحكمة لمسؤولية السائق، إضافة إلى الاكتفاء بتسوية ودية غير موثقة قانوناً، مما قد يؤدي إلى استمرار الملاحقة الجزائية أو المدنية رغم حصول اتفاق شفهي بين الأطراف.
وبين في خلاصة حديثه أن قانون السير السوري لا يعاقب على وقوع الحادث بحد ذاته، وإنما على الخطأ الذي أدى إليه، وأن معيار المسؤولية هو مدى التزام السائق بواجب الحيطة والحذر واحترام قواعد المرور، إذ إن حماية الأرواح والممتلكات تمثل الغاية الأساسية التي يسعى إليها المشرّع، ويظل تقدير المسؤولية والعقوبة منوطاً بالسلطة القضائية في ضوء وقائع كل قضية والأدلة المعروضة أمامها.
يربط القانون السوري المسؤولية في حوادث السير بالخطأ المرتكب ومدى الالتزام بقواعد المرور، لا بمجرد وقوع الحادث، فيما تتدرج العقوبات بحسب جسامة الضرر، ويعود تقديرها في النهاية إلى القضاء.