حماية الأطفال من العنف الأسري.. محامٍ يوضح الإجراءات القانونية وضمانات الحماية
تثير حالات العنف الأسري ضد الأطفال تساؤلات قانونية وحقوقية بشأن آليات إثبات الاعتداءات، والإجراءات الواجب اتخاذها لحماية الضحايا، ولا سيما عندما يكون مصدر الأذى أحد أفراد الأسرة، ما يستدعي ضمان سلامة الطفل خلال التحقيق والإجراءات القضائية ومنع تعرضه لاعتداءات متكررة.
وتبرز في هذه القضايا أهمية الأدلة الطبية وشهادات الشهود، إلى جانب مسؤولية الإبلاغ عن الانتهاكات، ودور الجهات المختصة في توفير بيئة آمنة للأطفال، بما ينسجم مع أحكام قانون حماية الطفل السوري رقم 21 لعام 2021 ومبدأ مراعاة مصلحته الفضلى.
العنف داخل الأسرة وآثاره على الطفل
قال المحامي والباحث في السياق القانوني والحقوقي علي محمد اسكان، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن العنف الذي يتعرض له الأطفال داخل أسرهم يُعد من أخطر أشكال سوء المعاملة، نظراً إلى أن الأسرة تمثل البيئة الأساسية التي يُفترض أن توفر لهم الحماية والرعاية والاستقرار.
وأوضح أن تعرض الطفل للعنف من أفراد أسرته قد يؤثر في نموه النفسي والاجتماعي، ويضعف ثقته بنفسه وشعوره بالأمان، ويترك آثاراً على شخصيته وطريقة تعامله مع الآخرين.
وأشار إلى أن خطورة هذه الحالات تتضاعف عندما يستمر الاعتداء دون تدخل، أو عندما يعجز الطفل عن طلب المساعدة نتيجة الخوف من المعتدي أو ارتباطه به داخل الأسرة.
أدلة إثبات التعذيب وسوء المعاملة
أوضح اسكان أن إثبات تعرض الطفل للعنف أو التعذيب داخل الأسرة يمكن أن يستند إلى مجموعة من الأدلة والقرائن، وفي مقدمتها الآثار الجسدية الظاهرة، مثل الكدمات والجروح والكسور.
وأضاف أن الإهمال والحرمان من الرعاية قد يظهران من خلال علامات المرض أو الهزال الجسدي، فيما يمكن أن ترافق العنف مؤشرات سلوكية ونفسية، منها الخوف الشديد والبكاء والرجفان واضطرابات الكلام.
وبيّن أن هذه العلامات قد تستدعي التقييم الطبي والنفسي، لكنها لا تكفي منفردة لإثبات وقوع التعذيب دون النظر إلى بقية الأدلة والظروف المحيطة بالحالة.
وأشار إلى أهمية شهادات الأشخاص الذين قد يكونون على علم بالاعتداء، ومنهم الجيران والمعلمون وأفراد الأسرة أو المقيمون في المنزل نفسه.
كما يمكن الاستناد إلى التسجيلات المصورة وغيرها من الأدلة المتاحة وفق القواعد القانونية، فيما تمثل التقارير الطبية وسيلة أساسية لتوثيق الإصابات وتحديد طبيعتها وآثارها.
ضمانات حماية الطفل أثناء التحقيق
أكد اسكان أن التعامل مع الأطفال الذين تعرضوا للعنف يتطلب إجراءات تراعي أعمارهم وظروفهم النفسية، وتحميهم من الضغوط التي قد تؤثر في أقوالهم خلال التحقيق.
وأوضح أن قانون حماية الطفل رقم 21 لعام 2021 يشكل مرجعاً قانونياً لحماية الأطفال من سوء المعاملة، مشيراً إلى أهمية الاستماع إلى إفادة الطفل بصورة مستقلة، وبعيداً عن الأشخاص الذين قد يمارسون عليه الضغط أو التأثير.
وشدد على ضرورة توفير مكان آمن وملائم لسماع أقوال الطفل، مع الاستعانة بمختص نفسي أو مرشد اجتماعي عند الحاجة، بما يساعد على الحصول على إفادته دون تعريضه لمزيد من الأذى.
ولفت إلى أن هذه الضمانات تكتسب أهمية خاصة عندما يكون الشخص المشتبه بتورطه في الاعتداء أحد الوالدين أو أفراد الأسرة، نظراً إلى احتمال تأثير العلاقة الأسرية في قدرة الطفل على الحديث بحرية.
إبعاد الطفل عن مصدر الخطر
وفيما يتعلق بالإجراءات التي يمكن اتخاذها لمنع إعادة الطفل إلى البيئة التي تعرض فيها للعنف، أوضح اسكان أن الأولوية تتمثل في ضمان سلامته وإبعاده عن مصدر الاعتداء أو التهديد.
وأشار إلى إمكانية توفير رعاية بديلة آمنة، سواء من خلال تسليم الطفل إلى أحد الأقارب الموثوقين أو إيداعه في إحدى دور الرعاية، وفق الإجراءات والقرارات الصادرة عن الجهات المختصة.
وأكد أهمية مراعاة مصلحة الطفل الفضلى عند اتخاذ هذه القرارات، والاستماع إلى رأيه بما يتناسب مع عمره وقدرته على التعبير، مع تقييم الظروف الأسرية ومدى توافر الحماية اللازمة له.
كما شدد على ضرورة إخضاع الطفل للفحوص والرعاية الصحية المناسبة، وتقييم حالته النفسية والجسدية لتحديد آثار الاعتداء واحتياجاته العلاجية والتأهيلية.
وأوضح أن اتخاذ تدابير الحماية ينبغي أن يستند إلى تقدير مستوى الخطر الذي يواجهه الطفل، بما يمنع استمرار الاعتداء أو تكراره.
مسؤولية الإبلاغ عن العنف الأسري
تطرق اسكان إلى المسؤولية القانونية والاجتماعية للأشخاص الذين يشاهدون حالات تعذيب الأطفال أو يعلمون بوقوعها، مؤكداً أهمية الإبلاغ عنها لدى الجهات المختصة وعدم تجاهل المؤشرات التي قد تدل على تعرض الطفل للخطر.
وأشار إلى أن قانون حماية الطفل يتناول حماية الأطفال من العنف، إلى جانب الضمانات المتعلقة بالمبلغين والشهود، مع ضرورة النظر في المسؤولية القانونية عن عدم الإبلاغ وفق الأحكام المنطبقة على كل حالة.
ولفت إلى أن بعض الاعتبارات الاجتماعية قد تحد من الإبلاغ عن العنف الأسري، ولا سيما العلاقات العائلية والقرابة والأعراف السائدة التي تدفع بعض الأشخاص إلى التعامل مع الاعتداء باعتباره شأناً داخلياً.
وأوضح أن هذه الاعتبارات قد تؤدي إلى استمرار تعرض الطفل للأذى في حال غياب التدخل، ما يعزز أهمية نشر الوعي بآليات الإبلاغ وضرورة حماية الأطفال من مختلف أشكال سوء المعاملة.
حماية الطفل خلال المحاكمة وما بعدها
شدد اسكان على أن حماية الطفل لا تقتصر على مرحلة تقديم الشكوى أو التحقيق الأولي، وإنما ينبغي أن تستمر خلال المحاكمة وبعد انتهاء الإجراءات القضائية.
وأوضح أن المسار القضائي يجب أن يراعي الظروف النفسية للطفل وكرامته، وأن يضمن عدم تعريضه للضغط أو التهديد بسبب إدلائه بأقواله أو مشاركته في إجراءات التحقيق.
وأشار إلى أهمية الاستعانة بالمختصين لتقديم الدعم النفسي والاجتماعي، مع توفير رعاية بديلة عند الحاجة، إلى حين التأكد من زوال الخطر الذي استدعى اتخاذ تدابير الحماية.
وأكد ضرورة أن تراعي القرارات المتعلقة بمكان إقامة الطفل ورعايته مصلحته الفضلى، وألا تؤدي إعادته إلى محيطه الأسري إلى تعريضه مجدداً للعنف أو سوء المعاملة.
مصلحة الطفل أساس الإجراءات القانونية
تتداخل معالجة العنف الأسري ضد الأطفال مع مسؤوليات قانونية وصحية واجتماعية، تبدأ بتوثيق الاعتداء والإبلاغ عنه، وتمتد إلى ضمان سلامة الطفل وتوفير الرعاية المناسبة له خلال مراحل التحقيق والمحاكمة.
وتبرز أهمية التنسيق بين الجهات القضائية والصحية والاجتماعية لضمان تقييم الحالات بصورة متكاملة، واتخاذ الإجراءات التي تمنع تكرار الاعتداء وتحمي الأطفال من آثاره النفسية والجسدية.
ويؤكد المحامي علي محمد اسكان أن مصلحة الطفل الفضلى ينبغي أن تكون الأساس في التعامل مع هذه القضايا، من خلال توفير الحماية القانونية والاستماع إلى أقواله بصورة آمنة، وإبعاده عن مصادر الخطر، وضمان حصوله على الرعاية اللازمة لاستعادة شعوره بالأمان والاستقرار.