تطوير الذات لدى طلاب الجامعة… مسار الوعي وبناء الجاهزية المهنية
تطوير الذات لدى طلاب الجامعة… مسار الوعي وبناء الجاهزية المهنية
● مجتمع ٢٥ يوليو ٢٠٢٦

تطوير الذات لدى طلاب الجامعة… مسار الوعي وبناء الجاهزية المهنية

يشكّل تطوير الذات لدى طلاب الجامعة أحد المحاور الأساسية في مرحلة الانتقال من التعليم إلى الحياة المهنية، إذ لم تعد هذه المرحلة مقتصرة على تلقي المعرفة النظرية، بل أصبحت مساحة لاكتشاف القدرات وبناء المهارات وتحديد المسار المستقبلي.

 ومع تنوع التخصصات وتسارع التغيرات في بيئة العمل، يبرز الاهتمام بقدرة الطالب على فهم ذاته، وتطوير إمكاناته، والاستعداد بشكل تدريجي لمتطلبات الواقع المهني، بما يحقق له التوازن بين المعرفة والتطبيق.

وفي هذا الإطار، يقدّم الدكتور عماد كنعان، أستاذ جامعي وباحث في التربية والفكر الإسلامي، لشبكة شام الإخبارية، قراءة متكاملة لمفهوم تطوير الذات لدى طلاب الجامعات، موضحاً أبعاده النفسية والمهارية والمهنية، وأبرز المرتكزات التي تساعد الطالب على الانتقال من الوعي الشخصي إلى الجاهزية لسوق العمل.

وقال كنعان إن تطوير الذات لدى الطالب الجامعي عملية واعية ومنظمة ومستمرة، تهدف إلى انتقاله من مستوى قدراته الحالي إلى مستوى أفضل معرفياً ونفسياً واجتماعياً ومهنياً.

وأضاف أن ذلك لا يعني جمع الشهادات التدريبية أو حضور الدورات بصورة عشوائية، بل يبدأ بالوعي بالذات: من أنا؟ ما نقاط قوتي؟ ما الجوانب التي تحتاج إلى تحسين؟ وما المجال الذي أستطيع أن أقدم فيه قيمة حقيقية؟

وأوضح أن تطوير الذات، ومن منظور علم النفس الإيجابي، يقوم على اكتشاف نقاط القوة وتنميتها، وبناء الكفاءة الذاتية، وتعزيز الأمل والمرونة النفسية والصمود أمام الإخفاق، فالطالب يحتاج إلى التفاؤل، ولكن ليس التفاؤل المنفصل عن الواقع؛ بل الأمل القائم على هدف واضح، ومسارات عملية للوصول إليه، والقدرة على إيجاد بدائل عند ظهور العوائق.

وأشار كنعان في تصريح خاص لـ شام إلى أن علم النفس المهاري ينقل الطالب من معرفة المفاهيم إلى امتلاك سلوكيات قابلة للملاحظة والقياس، مثل التواصل الفعال، وحل المشكلات، وإدارة الوقت، والعمل ضمن فريق، وتنظيم الانفعالات، واتخاذ القرارات، فقد يعرف الطالب أهمية الوقت نظرياً لكن المهارة الحقيقية تظهر في قدرته على تحديد الأولويات وإنجاز المهام.

ونوّه إلى أن تطوير الذات، ومن منظور التربية المهنية، يعني بناء الهوية المهنية؛ أي أن يعرف الطالب ميوله وقدراته وقيمه المهنية، ويفهم طبيعة سوق العمل، ويختبر مجالات متعددة قبل التخرج، ثم يبني خطة عملية للوصول إلى موقع مهني يناسبه.
وبيّن أن تطوير الذات بات ضرورة تربوية ونفسية ومهنية؛ لأن الطالب الذي لا يطور نفسه قد يتراجع نسبياً بينما تتغير من حوله المعرفة والتكنولوجيا ومتطلبات العمل، ولفت إلى أنه لا ينصح الطالب بأن يشتت نفسه في عشرات الدورات، بل بأن يبني حزمة مهارية متوازنة تتوافق مع تخصصه وميوله ومتطلبات سوق العمل.

وذكر  الدكتور عماد أن معرفة الذات والتخطيط المهني تأتيان أولاً؛ لأن الطالب الذي لا يعرف ميوله وقدراته قد ينفق سنوات في طريق لا يلائم شخصيته أو قيمه، ويأتي بعدها التواصل الفعال، ويشمل التعبير الشفهي والكتابي، والاستماع، ولغة الجسد، والحوار، والتفاوض، والقدرة على تقديم الأفكار بوضوح.

وتحدث عن حاجة الطالب أيضاً إلى التفكير النقدي وحل المشكلات؛ فالمؤسسات لا تبحث عمن يصف المشكلة فقط، وإنما عمن يحلل أسبابها، ويفحص المعلومات، ويقترح بدائل عملية، ويقارن بينها قبل اتخاذ القرار.

وأوضح أن المهارات الرقمية تحتل موقعاً متقدماً، ومنها البحث الرقمي، وتحليل البيانات الأساسية، والأمن الرقمي، والتعامل مع التطبيقات المرتبطة بالتخصص، والاستخدام الواعي والأخلاقي لأدوات الذكاء الاصطناعي، وقد جعلت منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة «الإيسيسكو» تنمية المهارات الرقمية للشباب محوراً لبرامجها، ومنها التدريب على البرمجة منخفضة التعليمات البرمجية أو منعدمة التعليمات؛ بهدف تمكين شباب العالم الإسلامي من توظيف التكنولوجيا في النمو الاجتماعي والاقتصادي.

وأكد كنعان أن اللغة الأجنبية، ولا سيما الإنجليزية في المجالات العلمية والتقنية، تمثل أداة مهمة لتوسيع مصادر المعرفة وفرص التدريب والعمل والتواصل المهني، وشدد على أن من المهارات الضرورية كذلك: إدارة الوقت والأولويات، والذكاء الانفعالي، والمرونة النفسية، والعمل الجماعي، والقيادة، والمبادرة، والتعامل الواعي مع النقد والضغط والفشل والتغيير.

وأفاد بضرورة إتقان مهارات البحث عن العمل، مثل إعداد السيرة الذاتية، وبناء الملف المهني الرقمي، وكتابة رسالة التقديم، والاستعداد للمقابلة، والبحث المنظم عن الفرص، كما يحتاج الطالب إلى ثقافة ريادة الأعمال؛ فليس مطلوباً أن يؤسس كل طالب شركة، لكن ينبغي أن يتعلم اكتشاف الحاجة، واقتراح الحل، واختبار الفكرة، وإدارة الموارد والمخاطر.

وأكد أن الأهم هو الجمع بين المهارات التخصصية والإنسانية؛ فالبرمجة أو المحاسبة أو التصميم قد تفتح باب العمل، لكن التواصل والانضباط والعمل الجماعي والمرونة تساعد الموظف على البقاء.

ويظل تطوير الذات مساراً مفتوحاً أمام الطالب الجامعي، يتشكل عبر ما يمر به من تجارب وما يكتسبه من معارف ومهارات خلال سنوات دراسته، ويتصل بقدرته على فهم إمكاناته، وتطويرها بشكل تدريجي، والتعامل مع متطلبات الدراسة وسوق العمل، كما يرتبط بمدى استعداده للتعلم المستمر، ومواكبة التغيرات، والاستفادة من الفرص المتاحة، بما يساعده على بناء مسار مهني يتوافق مع قدراته واهتماماته.

 

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ