تدهور الأوضاع المعيشية يضع الآباء أمام تحديات نفسية وأسرية
تفرض الأوضاع الاقتصادية المتدهورة تحديات متزايدة على الأسر، وتضع ربّ الأسرة في مواجهة يومية مع صعوبة تأمين الاحتياجات الأساسية، في ظل فجوة آخذة بالاتساع بين الدخل وتكاليف المعيشة.
ولا يقتصر أثر هذا العجز على الجانب المادي فحسب، وإنما يمتد ليطال الحالة النفسية للأب، وينعكس على علاقاته داخل الأسرة وطبيعة التفاعل مع زوجته وأبنائه، في بيئة تتصاعد فيها الضغوط وتتداخل فيها الأعباء الاقتصادية مع الأبعاد النفسية والاجتماعية.
تراجع الدخل واتساع فجوة المعيشة
قال الباحث الاقتصادي حامد سيف الدين في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الأوضاع الاقتصادية الصعبة في سوريا أدت إلى إضعاف قدرة ربّ الأسرة على تأمين الاحتياجات الأساسية بصورة منتظمة، نتيجة اتساع الفجوة بين مستوى الدخل وتكاليف المعيشة، موضحاً أن الدخل الشهري لم يعد لدى شريحة واسعة من الأسر، كافياً لتغطية نفقات الغذاء والسكن والطاقة والمواصلات والتعليم والرعاية الصحية.
وأضاف أن أثر هذه الأوضاع لا يقتصر على الجانب المادي، بل يمتد إلى الجانب النفسي والاجتماعي، إذ قد يشعر الأب بالعجز أو التقصير حتى عندما تكون الأسباب خارجة عن إرادته، ما يزيد من شعوره بالقلق والتوتر والإحباط، مشيراً إلى أن هذه المشاعر قد تنعكس على علاقته بزوجته وأبنائه، فتزداد الخلافات الأسرية، أو يميل إلى الانسحاب والصمت أو العمل لساعات طويلة بحثاً عن مصادر دخل إضافية.
وأشار سيف الدين إلى أن تراجع دخل الأسر السورية يرتبط بمجموعة من العوامل المتداخلة، من أبرزها ضعف النشاط الاقتصادي، وتراجع القدرة الإنتاجية للمنشآت، ومحدودية الاستثمارات، ونقص السيولة، وضعف فرص العمل المستقرة، إضافة إلى تضرر قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات خلال سنوات الأزمة.
ونوه إلى أن تراجع قيمة العملة وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والطاقة أسهما في انخفاض القيمة الحقيقية للأجور، مبيناً أن الدخل الذي كان يغطي جزءاً مقبولاً من الاحتياجات أصبح عاجزاً عن شراء الكمية نفسها من السلع والخدمات.
وبين أن الهجرة والنزوح وفقدان الممتلكات أو مصادر الرزق حرمت أسرًا كثيرة من أعمالها التقليدية، لافتاً إلى أن بعض العاملين اضطروا إلى الانتقال من الوظائف المستقرة إلى أعمال مؤقتة أو غير منتظمة.
ولفت إلى أن ارتفاع الأسعار وتراجع فرص العمل ساهما بدرجة كبيرة في زيادة الأعباء الواقعة على الآباء، لأن الأسرة تواجه ارتفاعاً مستمراً في النفقات مقابل دخل محدود أو غير ثابت، موضحاً أنه مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية والأدوية والمحروقات والمواصلات والإيجارات، يصبح الأب مضطراً إلى إعادة توزيع الدخل والتخلي عن بعض الاحتياجات حتى لو كانت ضرورية.
وذكر أن تراجع فرص العمل دفع كثيراً من الآباء إلى الجمع بين أكثر من عمل، أو قبول أعمال بأجور منخفضة، أو العمل لساعات طويلة وفي ظروف غير مستقرة، مشيراً إلى أن بعضهم قد يلجأ إلى الاقتراض أو بيع ممتلكات الأسرة أو الاعتماد على مساعدة الأقارب، وأن الضغوط تزداد عندما يكون الأب المعيل الوحيد أو عندما تضم الأسرة أطفالاً أو مرضى أو طلاباً يحتاجون إلى نفقات إضافية.
وتحدث سيف الدين عن تأثير الأزمة في نمط الإنفاق داخل الأسرة، موضحاً أنها غيّرت هذا النمط بصورة واضحة، إذ انتقلت معظم الأسر من الإنفاق الذي يوازن بين الضروريات والاحتياجات الاجتماعية والترفيهية إلى إنفاق يتركز على البقاء وتوفير الحد الأدنى من الضروريات.
وأوضح أن الأولوية أصبحت للطعام والسكن والطاقة والدواء، في حين جرى تخفيض الإنفاق على الملابس الجديدة والترفيه والزيارات الاجتماعية وصيانة المنزل والتعليم الخاص وبعض أنواع العلاج والفحوص الطبية.
وأكد أن الأسر أصبحت تميل إلى شراء السلع بكميات صغيرة، واختيار المنتجات الأقل سعراً، والاستغناء عن بعض المواد الغذائية مرتفعة التكلفة، وإعادة استخدام الملابس والأدوات المنزلية وإصلاحها بدلاً من استبدالها.
وشدد على أن بعض الأسر قد تضطر إلى تأجيل العلاج أو إخراج الأبناء من بعض الأنشطة التعليمية، ما يحول الأزمة الاقتصادية الحالية إلى مشكلة قد تؤثر في صحة الأطفال وتعليمهم وفرصهم المستقبلية.
وأفاد بأن الأسر السورية تلجأ إلى مجموعة من الاستراتيجيات للتكيف مع ضعف الدخل، تختلف بحسب عدد أفراد الأسرة ومكان إقامتها والفرص المتاحة لها، من أبرزها تقليص النفقات غير الأساسية، والاعتماد على السلع الأرخص، وشراء المواد بالدين أو بالتقسيط، والاستفادة من المساعدات الإنسانية أو دعم الأقارب المقيمين في الخارج.
وأضاف أن بعض الأسر تسعى إلى تنويع مصادر الدخل من خلال عمل الأب في أكثر من وظيفة، أو مشاركة الزوجة والأبناء القادرين في العمل، أو إقامة مشروعات منزلية صغيرة مثل إعداد الطعام أو الخياطة أو التجارة البسيطة، لافتاً إلى أن الأسر الريفية قد تلجأ إلى الزراعة المنزلية وتربية بعض الحيوانات لتأمين جزء من احتياجاتها الغذائية.
وأشار إلى أن أسراً أخرى تعتمد على تبادل الخدمات والسلع مع الأقارب والجيران أو السكن المشترك لتخفيض نفقات الإيجار والطاقة، منوهاً إلى أن بعض الاستراتيجيات، مثل الاستدانة المستمرة أو بيع الممتلكات أو إخراج الأطفال من التعليم، قد تساعد مؤقتاً لكنها تضعف قدرة الأسرة على مواجهة الأزمات مستقبلاً.
وأكد على ضرورة التوجه نحو حلول أوسع، تشمل دعم فرص العمل، وتحسين الأجور، وتمويل المشروعات الصغيرة، وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية، إلى جانب تقديم خدمات الدعم النفسي والاجتماعي للأسر والآباء المتأثرين بالأزمة.
تداعيات نفسية على الآباء
من جهته، ذكر الأخصائي مصعب محمد علي لـ"شام" أن الشعور بقيمة الأب، بالنسبة لكثير من الآباء، يرتبط بقدرته على تأمين احتياجات أسرته، موضحاً أنه عندما يعجز الأب عن ذلك بسبب ظروف اقتصادية خارجة عن إرادته، فقد يشعر بأنه فقد جزءاً من دوره، حتى لو كان يبذل كل ما يستطيع، ما يولد لديه ضغطاً نفسياً مستمراً وإحساساً بالذنب والعجز.
وأضاف أن هذا الشعور قد يدفع الأب إلى الانسحاب أو الصمت أو سرعة الانفعال، ليس لأنه لا يهتم بأسرته، بل لأنه يشعر بأنه غير قادر على تحقيق ما يتمناه لهم، وأشار إلى أن استمرار هذا الضغط لفترة طويلة قد يسهم في توليد القلق أو الاكتئاب أو الإحساس بالفشل لدى الأب، مبيناً أنه قد يتحول إلى قلق دائم بشأن المستقبل، أو إلى أعراض اكتئابية مثل فقدان الحماس، واضطراب النوم، والإرهاق، والشعور بانخفاض القيمة الذاتية.
ونوه إلى أن بعض الآباء يحمّلون أنفسهم مسؤولية ظروف اقتصادية ليست من صنعهم، ما يولد لديهم إحساساً بالفشل رغم أنهم يبذلون أقصى ما لديهم، وبين أن الضغط الاقتصادي لا يؤثر فقط على الدخل، بل يمتد إلى المناخ النفسي داخل المنزل، لافتاً إلى أنه مع استمرار الضغوط قد تزداد الخلافات الزوجية، ويصبح الأب أكثر عصبية أو أقل تواصلاً مع أسرته.
ولفت إلى أن الزوجة والأبناء قد يشعرون بالتوتر دون أن يفهموا أسبابه، مؤكداً أن المشكلة غالباً لا تكمن في قلة المال وحدها، وإنما في الطريقة التي ينعكس بها هذا الضغط على الحوار والعلاقة بين أفراد الأسرة، وقال إن الأطفال قد لا يدركون تفاصيل الأزمة الاقتصادية، لكنهم يلاحظون التغيرات في سلوك والديهم، مثل نبرة الصوت والتوتر والانشغال وكثرة الخلافات.
وتحدث عن أن بعض الأطفال قد يصبحون أكثر قلقاً أو تعلقاً بوالديهم، فيما قد يشعر آخرون بالذنب أو يظنون أنهم سبب المشكلة، مشدداً على أهمية طمأنة الأطفال بلغة تناسب أعمارهم، وإشعارهم بأن ما يحدث ليس خطأهم، وأن الأسرة ما زالت متماسكة رغم الظروف.
وأوضح أن من أبرز النصائح التي يمكن تقديمها للآباء للتعامل نفسياً مع هذا الضغط أن يدرك الأب أن قيمته لا تُقاس بحجم دخله فقط، وإنما أيضاً بحضوره واحتوائه ودعمه لأسرته، وأكد أهمية ألا يتحمل الأب الضغوط وحده، بل يتحدث مع زوجته ويشاركها المسؤولية والقرارات، لأن الشعور بالشراكة يخفف العبء النفسي.
وشدد على ضرورة الحفاظ على روتين يومي صحي، وتنظيم أوقات الراحة، والابتعاد عن لوم الذات بشكل مستمر، وأفاد بأنه إذا بدأت الضغوط تؤثر على النوم أو المزاج أو العلاقات بشكل واضح ومستمر، فمن الأفضل طلب الدعم النفسي مبكراً، لأن الاهتمام بصحة الأب النفسية ينعكس إيجاباً على استقرار الأسرة بأكملها.
لا تقف معاناة الأب عند العجز المادي، بل تمتد إلى أبعاد نفسية واجتماعية تؤثر في تماسك الأسرة، وبين ضغوط الواقع، يبقى الدعم المتبادل والحوار، إلى جانب الحاجة إلى حلول أوسع، أساساً لتجاوز هذه المرحلة والحفاظ على استقرارها.