بين شيوع التصوير وحدود القانون: متى يصبح التقاط الصور انتهاكاً للخصوصية؟
في ظل الانتشار الواسع لاستخدام الهواتف المحمولة وسهولة التقاط الصور ومقاطع الفيديو، يكثر اللجوء إلى التصوير في الأماكن العامة دون الالتفات إلى ما قد يترتب على ذلك من تبعات قانونية، لا سيما عندما يتصل الأمر بتصوير أشخاص دون رضاهم أو استخدام صورهم على نحو يمسّ بخصوصيتهم أو كرامتهم.
وبين ما يُعد سلوكاً عادياً في الظاهر وما قد يشكّل مخالفة يُعاقب عليها القانون، يبرز التساؤل حول الحدود الفاصلة بين الإباحة والتجريم، والضوابط التي تحكم هذا الفعل في ضوء التشريعات النافذة.
متى يصبح التصوير مخالفة؟
في هذا السياق، قال كمال إسماعيل، مدرب وباحث قانوني، ومؤسس فريق النخبة القانونية للاستشارات والتدريبات، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن القانون السوري ينطلق من قاعدة دستورية مفادها أن الأصل هو حماية الحرية الشخصية والكرامة الإنسانية والخصوصية، وأن أي ممارسة لهذه الحريات يجب ألا تؤدي إلى الاعتداء على حقوق الآخرين.
وأضاف أن الإعلان الدستوري لعام 2025 أكد على حماية الحرية الشخصية وصيانة الحقوق والحريات، ورسّخ مبدأ احترام الحياة الخاصة وعدم جواز المساس بها إلا وفق القانون.
وأشار إلى أنه لا يوجد نص سوري صريح يحظر مطلق التصوير في الأماكن العامة، إلا أن قانون الجريمة المعلوماتية رقم 20 لعام 2022 وسّع مفهوم الحماية بشكل لافت، موضحًا أن المادة 23 منه (التسجيل غير المشروع) تعاقب بالحبس من شهر إلى ستة أشهر وغرامة من 500 ألف إلى مليون ليرة سورية كل من استخدم وسائل تقانة المعلومات للحصول على تسجيلات صوتية أو مرئية أو صور تخص أحد الناس دون رضاه، دون أن تشترط صراحة أن يكون المكان خاصاً.
وبيّن أن ذلك يعني عملياً، وبحسب القراءات القانونية لهذه المادة، أن التصوير — حتى في مكان عام — قد يُعرّض المصوّر للمساءلة إذا لم يحصل على رضا الشخص المصوَّر، خصوصاً إذا كان التصوير مقصوداً وموجهاً لشخص بعينه.
ولفت إلى أن التصوير في الأماكن العامة ليس محظوراً بذاته، لكنه ليس حقاً مطلقاً، وإنما يخضع لعدة ضوابط، أهمها عدم الاعتداء على الحياة الخاصة، وعدم استخدام الصورة للإساءة أو التشهير، وعدم استغلالها لتحقيق منفعة غير مشروعة، واحترام الكرامة الإنسانية، وأوضح أن القضاء لا ينظر إلى مكان التصوير فقط، وإنما إلى الغرض منه، وطريقة استخدام الصورة، والنتيجة التي ترتبت عليها.
ونوه إلى أن الفرق بين التصوير في مكان عام والتصوير الذي يُعد انتهاكاً للخصوصية يقوم على معيار عملي تعتمده المحاكم، يتمثل في ما إذا كان التصوير عاماً يوثّق مشهداً أو حدثاً، كمسيرة أو مناسبة عامة، أم كان تصويراً مركّزاً على شخص محدد، إضافة إلى مسألة وجود الرضا الصريح أو الضمني، وذكر أنه متى تحوّل المحتوى إلى ما تصفه المادة 26 من قانون الجريمة المعلوماتية بأنه “منافٍ للحشمة أو الحياء”، أو تضمّن تفاصيل من الحياة الخاصة التي يحميها نص المادة 13 من الإعلان الدستوري، فإن الفعل ينتقل من “تصوير مباح” إلى “اعتداء على الخصوصية”.
تجريم التصوير دون إذن وتشديد العقوبات
وتحدث عن أن قانون مكافحة الجريمة المعلوماتية رقم 20 لعام 2022 وسّع من الحماية القانونية للحياة الخاصة في البيئة الرقمية، حيث نص على تجريم عدد من صور الاعتداء على الخصوصية عبر الوسائل الإلكترونية، ومنها نشر التسجيلات أو الصور دون رضا أصحابها في الحالات التي يحددها القانون.
وأكد أن تصوير شخص دون إذنه يتحول إلى جريمة معاقب عليها في عدة حالات، أولها مجرد الحصول على الصورة أو التسجيل دون رضا صاحبه وفق المادة 23، مشيراً إلى أن هذا وحده يكفي لقيام الجريمة حتى دون نشر.
ولفت أنه في حال عولجت الصورة أو استُخدمت بطريقة تجعلها منافية للحشمة أو الحياء، أو أُرسلت للغير أو عُرضت عليه، أو هُدد بنشرها عبر الشبكة وفق المادة 26، فإن العقوبة تُشدَّد لتصل إلى الحبس من سنة إلى سنتين وغرامة تبدأ من مليوني ليرة سورية، وبيّن أنه إذا رافق التصوير أو نشره فعل الذم أو القدح أو التحقير الإلكتروني، فإن ذلك يخضع لأحكام المادتين 24 و25، كما أشار إلى أن الفعل قد يشكّل دخولاً غير مشروع إلى مسكن الشخص أو إفشاءً لأسرار محمية بموجب قانون العقوبات.
وذكر أن الحكم يختلف بين التصوير للاستخدام الشخصي والنشر على وسائل التواصل، موضحاً أن مجرد الالتقاط دون رضا، حتى للاستخدام الشخصي، يُعد فعلاً مجرّماً بموجب المادة 23، مع ضرورة التنويه إلى أن التجريم يشترط أن يكون التصوير قد تم دون رضا الشخص.
وأفاد بأن النشر أو الإرسال أو التهديد بالنشر يُعد ظرفاً مشدداً صريحاً في النص، إذ ترتفع العقوبة في حالة الصور المخلة بالحشمة من الحبس من شهر إلى ستة أشهر إلى الحبس من سنة إلى سنتين وفق المادة 26، كما أن النشر العلني للذم أو القدح تكون عقوبته أشد من الفعل غير العلني بسبب اتساع دائرة الضرر.
وأشار إلى أن المسؤولية القانونية المترتبة على نشر صور أو فيديوهات لأشخاص دون موافقتهم تكون على مستويين، الأول جزائي بموجب المواد 23 و24 و25 و26 من قانون الجريمة المعلوماتية بحسب طبيعة الفعل ومضمونه، وقد تُضاف إليها نصوص قانون العقوبات المتعلقة بالقدح والذم العام.
وأضاف أن المسؤولية الثانية مدنية، تقوم على القاعدة العامة في المسؤولية التقصيرية المنصوص عليها في المادة 164 من القانون المدني السوري، والتي تقرر أن كل خطأ سبب ضرراً للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض، ما يتيح للمتضرر المطالبة بتعويض عن الضررين المادي والمعنوي.
وبيّن أن للشخص الذي تم تصويره الحق في رفع دعوى على أساسين، أولهما جزائي من خلال تقديم شكوى لدى الضابطة العدلية المختصة بجرائم المعلوماتية في وزارة الداخلية استناداً إلى مواد قانون الجريمة المعلوماتية، لافتاً إلى أن جرائم القدح والذم غالباً ما تتطلب شكوى شخصية من المتضرر لتحريك الدعوى.
وأوضح أن الأساس الثاني مدني، من خلال رفع دعوى تعويض أمام القضاء المدني استناداً إلى أحكام المسؤولية التقصيرية، مع إمكانية المطالبة بالتعويض عن الضرر المادي والمعنوي، والاستناد إلى الحماية الدستورية لحرمة الحياة الخاصة.
وشدد على أن التصوير بقصد الإساءة أو التشهير يُعد من أشد الحالات خطورة في قانون الجريمة المعلوماتية، حيث يُعاقب الذم الإلكتروني وفق المادة 24 بالحبس والغرامة، وتُشدَّد العقوبة إذا كان علنياً أو موجهاً لموظف عام أثناء تأدية عمله.
وأكد أن القدح أو التحقير الإلكتروني وفق المادة 25 يبدأ بغرامة عند عدم العلنية، ويُشدَّد إلى الحبس والغرامة الأعلى عند العلنية، في حين تُعد المادة 26 الأشد صلة بحالات التصوير المسيء، إذ تعاقب معالجة الصور أو التسجيلات لتصبح منافية للحياء وإرسالها أو عرضها أو التهديد بنشرها، وترتفع العقوبة إلى الحبس سنة إلى سنتين إذا تحقق النشر الفعلي.
ولفت إلى أن قانون العقوبات العام يعرّف الذم بأنه نسبة أمر يمسّ الشرف أو الكرامة، والقدح بأنه لفظ أو تعبير يحقّر الشخص دون نسبة واقعة محددة إليه، وفق المادة 375، مشيراً إلى أن هذا التعريف يُستخدم تفسيرياً حتى في السياق الإلكتروني لتحديد ما إذا كان المحتوى المنشور مع الصورة يرقى إلى حد التجريم.
ونوه إلى ملاحظة هامة تتعلق بأن قانون الجريمة المعلوماتية رقم 20 لعام 2022 صدر في عهد النظام البائد، ولا يزال سارياً حتى تاريخه ما لم يصدر تعديل أو إلغاء صريح، خاصة أن المادة 51 من الإعلان الدستوري لعام 2025 نصّت على استمرار العمل بالقوانين النافذة ما لم تُعدَّل أو تُلغَ.
وأكد كمال إسماعيل في ختام حديثه أن هناك مطالبات حقوقية متكررة بتعديل هذا القانون بسبب فضفاضية بعض نصوصه، مثل مصطلحي “الذم” و”القدح” غير المعرّفين بدقة.