بين الاتفاق والقانون… كيف تُنظَّم المخالعة في سوريا؟
تُطرح مسألة إنهاء الحياة الزوجية في المجتمع السوري بعدة صيغ قانونية، من بينها “المخالعة الرضائية” التي تقوم على اتفاق بين الزوجين لإنهاء العلاقة وفق شروط يتم التفاهم عليها بينهما، وفي ظل تساؤلات متكررة حول كيفية إجراء المخالعة وما يترتب عليها قانونياً، تبرز الحاجة إلى توضيح تفاصيلها، والإجراءات المرتبطة بها، إلى جانب الفرق بينها وبين الطلاق، وما يتعلق بحقوق الزوجين والأطفال.
في هذا السياق، قال المحامي علي محمد اسكان، وهو محامٍ وباحث في السياق القانوني والحقوقي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن المقصود بالخلع في القانون السوري، ووفق قانون الأحوال الشخصية، لا يُعرف بالمعنى الحرفي كحالة انفصال رضائي بين الزوجين، بل تُسمى هذه الحالة “المخالعة الرضائية”، وأضاف أنه يتم تعريفها على أنها اتفاق أو عقد رضائي بين الزوجين على إنهاء الزواج مقابل بدل مالي أو تعويض تدفعه الزوجة للزوج، أو يمكنها التنازل عن بعض حقوقها مقابل إنفاذ المخالعة الرضائية بينها وبين زوجها.
وأشار إلى أنه وفق قانون الأحوال الشخصية السوري لا يحق للزوجة طلب المخالعة بإرادتها المنفردة، لأن المخالعة بالأساس هي عقد رضائي بين الطرفين، أي الزوج والزوجة، وبين أنه لا بد من اتفاق كل منهما على المخالعة، ولا يمكن إتمامها دون موافقة ورضى الزوج، وذلك أمام المحكمة الشرعية.
ولفت إلى أنه يمكن للزوجة طلب المخالعة من الزوج والاتفاق على شروطها، ومن ثم تثبيت هذا العقد أمام المحكمة الشرعية، وأوضح أنه يمكن للزوجة طلب المخالعة من زوجها في عدة حالات، منها استمرار المشاكل العائلية أو عدم التوافق فيما بينهم أو عدم رغبة الزوجة في الاستمرار بالحياة الزوجية، وأكد أن هذا السبب يُعد كافياً لطلب المخالعة من زوجها.
ونوّه إلى أنه لإثبات المخالعة قانونياً يجب أن يوافق الزوج مسبقاً على المخالعة، وتابع أنه في حال رفض الزوج طلب زوجته في إنهاء الحياة الزوجية بشكل رضائي، يمكن للزوجة إقامة دعوى أمام المحكمة الشرعية لطلب التفريق حسب السبب الذي يحدد الحالة فيما بينهم، مثل التفريق لعلة الشقاق.
وذكر أنه حسب قانون الأحوال الشخصية السوري، وكما تم توضيحه سابقاً، لا يمكن للزوجة وحدها طلب المخالعة، بل يجب أن تتم بإرادة الطرفين وبموافقة الزوج، وأضاف أنه يجب أولاً الاتفاق بينهما على المخالعة وتحديد شروطها وما يتم الاتفاق عليه فيما بينهم، ومن ثم يتم تقديم طلب للمحكمة الشرعية لتثبيت عقد المخالعة الرضائي.
وبيّن أن من الأوراق الثبوتية الواجب تضمينها ضمن ملف الدعوى عقد الزواج والبيانات الشخصية لهم، وعقد المخالعة الموقع من قبل الزوج والزوجة، والحضور شخصياً أو عبر الوكيل القانوني لهم أمام القاضي الشرعي لإقرار المخالعة وإصدار قرار المحكمة بذلك، وأشار إلى أن القانون لا يلزم الزوجة بتقديم تنازلات محددة أو معينة في حال طلب المخالعة من زوجها، وإنما يُعتد بما يتم الاتفاق عليه فيما بينها وبين زوجها.
وأضاف أنه جرت العادة أن الزوجة غالباً ما تتنازل عن أي حق إذا كان عائقاً لإتمام المخالعة، ولفت إلى أنه لا يسقط أي حق لها إلا إذا تنازلت عنه بشكل صريح في عقد المخالعة، مثل النفقة أو المؤخر، وأكد أنه لا يمكن التنازل عن حقوق الأطفال والحضانة، وبالتالي فإن المخالعة لا تعني سقوط حقوق الزوجة بشكل تلقائي، بل لا بد من ذكرها ضمن صك المخالعة ما عدا حقوق الأبناء.
وأوضح أن أبرز الفروقات بين الطلاق والمخالعة تتمحور من حيث الحالة القانونية لكل منهما، حيث إن المخالعة هي عقد رضائي بين الزوجين ولا تتم إلا بموافقة الزوج ورضاه، بينما الطلاق فإن الأصل فيه أنه بالإرادة المنفردة للزوج، وقد يتم عن طريق القضاء بموجب دعوى تفريق تُقدم للمحكمة الشرعية المختصة.
وأضاف أنه من حيث الشروط فإن أهم شروط الطلاق أن يقع من الزوج بشكل عام أو من المحكمة في حالات التفريق، في حين تتطلب المخالعة موافقة الزوجين، والأهلية للزوج، وتحديد بدل المخالعة.
وأشار إلى أن من أهم الإيجابيات التي قد تحققها الزوجة من طلب المخالعة هي إنهاء الحياة الزوجية دون مشاكل قانونية في الغالب وبشكل سريع، وليس كما في حالات طلب التفريق والطلاق التي قد تستغرق وقتاً طويلاً في المحاكم، ونوه إلى أنها تسهم في تجنب المصاريف الكبيرة في دعاوى التفريق، وتجنب النزاعات التي قد تنشأ في دعوى التفريق، وبالتالي ضمان الراحة النفسية وتخفيف الجهد والضغوط.
ولفت إلى أن من أكثر السلبيات الرائجة هي التنازلات المالية التي قد تقدمها الزوجة لإتمام المخالعة، مثل التنازل عن المؤخر وبعض الحقوق، وأوضح أن من أبرز شروط المخالعة إلزامية موافقة الزوج، والتي قد تعيق إتمامها، وقد تضطر الزوجة عندها إلى طلب التفريق بدعوى قضائية.
وأكد أن حقوق الأطفال، كالحضانة والنفقة، تُعد من الحقوق غير القابلة للتنازل عنها بشكل عام إلا في بعض الحالات الاستثنائية ووفق ظروف كل قضية، وأضاف أن النفقة واجبة حكماً على الأب في كافة الأحوال، بينما يمكن التنازل عن نفقة الزوجة بقرار منها، أي بموافقتها، وأشار إلى أن الحضانة لا تسقط بالمخالعة، وتبقى من حق الأم وفق شروط الحضانة في قانون الأحوال الشخصية، لأن الأصل أن الأم هي من تملك هذا الحق.
وشدد على أن من أهم النصائح التي يمكن تقديمها هي تقديم مصلحة الأسرة على المصلحة الفردية، وبالتالي يجب دراسة الموقف بشكل دقيق ودراسة كافة الجوانب بموضوعية، وأضاف أنه في حال الإصرار على طلب المخالعة يجب استشارة محامٍ أو مستشار قانوني متخصص بقضايا الأحوال الشخصية لتجنب حصول غبن أو نزاع وضمان كافة الحقوق.
ولفت إلى أن إنهاء الحياة الزوجية لا يعني دائماً انتهاء المشاكل، بل قد يكون بداية لمشاكل جديدة، لا سيما أن المخالعة قد تكون سبباً في عدم الحصول على بعض الحقوق المالية، وأكد على ضرورة البحث عن طرق مناسبة لضمان استمرار الحياة الأسرية بعيداً عن النزاعات والمشاكل، خاصة في ظل الظروف الحالية.
وتبقى تفاصيل المخالعة مرتبطة بما يتم الاتفاق عليه بين الزوجين وما يقرّه القضاء الشرعي عند تثبيت العقد، في وقت تبرز فيه أهمية معرفة الإجراءات والآثار القانونية لكل خطوة، خاصة مع اختلاف الحالات والظروف التي تحكم كل علاقة زوجية على حدة.