من القصف للتجريف.. السلومية قرية مُسحت عن الخريطة تنتظر عودة الحياة
لم يكن الدمار الذي أصاب قرية السلومية في ريف حمص الجنوبي نتيجة القصف وحده، بل امتد ليشمل عمليات تجريف ممنهجة نفذتها ميليشيا النظام البائد طالت ما تبقى من منازلها بعد تهجير سكانها، لتتحول القرية إلى مساحة شبه خالية بعد أن كانت تضم مئات المنازل والأراضي الزراعية التي شكلت مصدر رزق سكانها لعقود.
وفي عام 2025 وثّق الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء) واقع الدمار الذي يخيّم على قرية السلومية في ريف حمص الجنوبي، واصفاً إياها بأنها أصبحت "بقايا ذكريات بين أكوام الأنقاض" التي بقيت شاهدة على الحياة التي نسفتها قوات نظام الأسد البائد.
وأظهرت المشاهد الميدانية دماراً واسعاً طال المنازل والبنى التحتية، حتى بدت القرية وقد مُسحت معالمها بالكامل، في مشهد يلخص حجم المأساة التي خلفتها سنوات الحرب.
وتكشف شهادات أبناء القرية أن ما جرى في السلومية لم يقتصر على آثار العمليات العسكرية، بل امتد إلى مرحلة ما بعد التهجير، حيث تعرضت المنازل لعمليات تجريف واسعة أزالت أجزاء كبيرة من النسيج العمراني، فيما يحاول عدد محدود من السكان العودة وسط غياب مقومات الحياة الأساسية واستمرار خطر مخلفات الحرب.
قرية أزيلت معالمها بفعل القصف والتجريف
قال المهندس محمد العشوة، أحد أبناء قرية السلومية، لشبكة شام الإخبارية، إن القرية تعرضت لدمار كامل بلغت نسبته 100% نتيجة القصف الجوي والصاروخي الذي استهدفها خلال سنوات الثورة السورية، إلا أن مرحلة ما بعد تهجير السكان عام 2013 حملت فصلاً آخر من المأساة مع بدء عمليات تجريف واسعة للمنازل.
وأوضح العشوة أن عمليات التجريف لم تقتصر على إزالة الأبنية المتضررة، بل شملت تكسير الأسقف الخرسانية وسحب الحديد والمواد الإنشائية القابلة للاستخدام، قبل تسوية المنازل بالأرض، الأمر الذي أدى إلى اختفاء معظم الأبنية السكنية وتغيير ملامح القرية بشكل شبه كامل.
وأضاف أن المشهد الحالي لا يعكس وجود قرية كانت مأهولة بالسكان، بل يظهر آثار حرب طويلة تركت خلفها أنقاضاً ودماراً يحتاج إلى تدخل واسع لإزالته وإعادة تأهيل المنطقة.
وأشار إلى أن ما بين 75 و80 بالمئة من المنازل المدنية ما تزال مدمرة بشكل كامل وغير قابلة للسكن، فيما تحتاج بقية المنازل إلى عمليات ترميم وتأهيل كبيرة قبل عودة أصحابها إليها.
وبيّن أن نسبة العائدين لا تتجاوز 25% من السكان الأصليين، بسبب غياب الخدمات الأساسية وعدم قدرة كثير من الأسر على إعادة بناء منازلها، موضحاً أن من عادوا اعتمدوا بشكل أساسي على إمكاناتهم الشخصية، سواء عبر الاستدانة أو بيع جزء من الممتلكات أو المساعدات المالية من الأقارب في الخارج.
ولفت إلى أن بعض العائلات اضطرت إلى تحويل المستودعات والمخازن الزراعية إلى مساكن مؤقتة بعد تجهيزها بأبسط الإمكانات، بهدف تأمين مكان للإقامة رغم صعوبة الظروف.
خدمات غائبة تعيق عودة الأهالي
وأكد العشوة أن واقع الخدمات يشكل أحد أكبر العوائق أمام عودة السكان، إذ لا تزال شبكة الكهرباء خارج الخدمة بالكامل، إضافة إلى غياب شبكات المياه والصرف الصحي، الأمر الذي يضاعف معاناة الأهالي ويؤثر على ظروفهم الصحية والمعيشية.
كما تعاني الطرق من دمار كبير نتيجة الحرب والإهمال الطويل، ما يعرقل حركة السكان والوصول إلى الأراضي الزراعية والقرى المجاورة، في حين يزيد غياب الاتصالات من عزلة المنطقة.
وفي القطاع التعليمي، أوضح أن القرية تضم مدرستين، إلا أن المدرسة الابتدائية لا تزال مدمرة بالكامل، بينما تعمل المدرسة الثانية بعد إصلاحات محدودة نفذتها إحدى المنظمات الإنسانية، وتستقبل طلاب السلومية وأبناء القرى المحيطة، ما تسبب باكتظاظ داخل الصفوف.
أما القطاع الصحي، فوصفه العشوة بأنه شبه معدوم، موضحاً أن القرية لا تضم أي نقطة طبية، ويضطر السكان للتوجه إلى بلدة قطينة للحصول على العلاج، سواء عبر المستوصف الحكومي أو العيادات الخاصة.
المختار: الأهالي ينتظرون عودة الحياة إلى القرية
من جهته، ركز مختار قرية السلومية الأستاذ خالد الفحام في حديثه لشبكة شام الإخبارية، على الجانب الإنساني والاجتماعي، موضحاً واقع الأهالي الذين يحاولون العودة إلى قريتهم بعد سنوات طويلة من التهجير.
وأكد الفحام أن عودة السكان لا ترتبط فقط برغبتهم بالعودة، وإنما بتوفر الحد الأدنى من مقومات الحياة، مشيراً إلى أن غياب الخدمات الأساسية يجعل كثيراً من العائلات غير قادرة على الاستقرار داخل القرية رغم ارتباطها بأرضها ومنازلها.
ولفت إلى أن الأسر العائدة تواجه ظروفاً صعبة في ظل الدمار الواسع، واضطرار بعضها إلى السكن في أماكن مؤقتة بانتظار إعادة تأهيل المنازل وتأمين الخدمات.
وطالب المختار الجهات المعنية والمنظمات الإنسانية بوضع خطة تدخل عاجلة تشمل إزالة الأنقاض، وتأهيل البنية التحتية، ودعم الأسر المتضررة، بما يساهم في تشجيع الأهالي على العودة وإنهاء حالة النزوح المستمرة.
رئيس الجمعية الفلاحية: الزراعة تحتاج دعماً لإعادة دوران الحياة
بدوره، سلط رئيس الجمعية الفلاحية في قرية السلومية عبد العليم قسطلاوي في تصريح لشبكة شام، الضوء على واقع القطاع الزراعي الذي كان يشكل مصدر الدخل الأساسي لأبناء القرية قبل الحرب.
وأكد قسطلاوي أن الأراضي الزراعية في السلومية تعرضت لأضرار كبيرة بسبب الحرب، فيما لا تزال مخلفات القصف والذخائر غير المنفجرة تشكل خطراً يعيق استثمار مساحات واسعة منها، ويهدد حياة المزارعين.
وأوضح أن إعادة تنشيط الزراعة تحتاج إلى دعم مباشر للفلاحين عبر توفير مستلزمات الإنتاج من بذار وأسمدة ومبيدات، إضافة إلى تأمين الدعم للمشاريع الزراعية الصغيرة التي يمكن أن تساعد الأسر على استعادة مصادر دخلها.
وأشار إلى أن عودة النشاط الزراعي لا تمثل أهمية اقتصادية فقط، بل تعد عاملاً أساسياً في تثبيت السكان وتشجيع المزيد من الأهالي على العودة، باعتبار الأرض الزراعية جزءاً رئيسياً من حياة أبناء السلومية.
مخلفات الحرب.. خطر مستمر يهدد السكان
ويؤكد المهندس محمد العشوة أن مخلفات الحرب والأجسام غير المنفجرة ما تزال من أخطر التحديات التي تواجه القرية، حيث تنتشر القذائف والقنابل العنقودية والذخائر غير المنفجرة بين الأنقاض وفي الأراضي الزراعية.
وأوضح أن هذه المخلفات تسببت بحوادث مأساوية خلال الفترة الماضية، كان آخرها مقتل شابين نتيجة انفجار ذخائر، إضافة إلى إصابات وحوادث أخرى، ما يجعل عمليات المسح الهندسي وإزالة المخلفات أولوية ملحة.
وحذر من محاولات بعض السكان التخلص من الذخائر بطرق بدائية بسبب تأخر وصول الفرق المختصة، مؤكداً ضرورة تنفيذ عمليات مسح شاملة باستخدام أجهزة كشف متطورة تشمل المناطق السكنية والزراعية.
السلومية تنتظر خطة شاملة لإعادة الحياة
ويرى أبناء القرية أن إعادة الحياة إلى السلومية تحتاج إلى تدخل متكامل يبدأ بإزالة آثار الحرب وتأهيل البنية التحتية، مروراً بدعم القطاعات التعليمية والصحية والزراعية، وصولاً إلى توفير الظروف التي تسمح بعودة السكان واستقرارهم.
وبينما يحاول الأهالي إعادة بناء ما يمكن من حياتهم بإمكاناتهم المحدودة، تبقى السلومية شاهدة على آثار سنوات الحرب، وتنتظر خطوات عملية تعيد إليها مكانتها كقرية نابضة بالحياة بعد أن تحولت لسنوات إلى عنوان للدمار والغياب.