بين التأجيل والمماطلة: لماذا نؤجل ما نعرف أنه مهم؟
يمر كثير من الأشخاص بسلوك تأجيل المهام إلى وقت لاحق في مراحل مختلفة، إلا أنه يتحول في بعض الحالات إلى نمط متكرر يؤثر على الإنجاز والدراسة والعمل والحياة اليومية، وبين التأجيل المرتبط بظروف واقعية والمماطلة المرتبطة بعوامل نفسية داخلية، يبرز اختلاف في الدوافع والنتائج المترتبة على كل منهما.
وتتداخل أسباب المماطلة بين صعوبات تنظيم الوقت، والخوف من الفشل، والسعي إلى الكمال، إضافة إلى عوامل مرتبطة بطريقة التفكير والتعامل مع الضغوط، ما يجعل فهم هذا السلوك خطوة أساسية للتعامل معه.
تعريف المماطلة من منظور نفسي
في هذا السياق، قالت الاختصاصية النفسية هيفين هوري في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن المماطلة تُعرَّف من منظور نفسي بأنها ميل الفرد إلى تأجيل بدء مهمة أو إكمالها، رغم إدراكه أن هذا التأجيل سيؤدي إلى نتائج سلبية.
وأوضحت أن الفارق الجوهري بينها وبين التأجيل الواقعي يكمن في طبيعة الدافع المصاحب للسلوك، إذ يحدث التأجيل الواقعي استجابة لظروف موضوعية، مثل نقص الموارد اللازمة، أو تعارض المواعيد، أو الحاجة إلى معلومات إضافية قبل البدء بالمهمة، وهو سلوك عقلاني يخضع لتقدير منطقي للموقف.
وأضافت أن المماطلة، في المقابل، ترتبط بحالة داخلية من التوتر والشعور بالذنب ترافق الشخص أثناء تأجيله، مع غياب أي مبرر موضوعي حقيقي يفسر هذا التأخير، وبيّنت أن هذا التوتر الداخلي يُعد المعيار الأساسي الذي يستخدمه الباحثون في علم النفس للتفريق بين النمطين؛ ففي حين يشعر الشخص الذي يؤجل لأسباب واقعية بالارتياح النسبي لأن قراره منطقي، يعاني المماطل من صراع داخلي مستمر بين إدراكه ضرورة الإنجاز وعجزه عن الشروع فيه فعلياً.
عوامل تكرار تأجيل الأفراد لأعمالهم
وذكرت هوري أن الدراسات النفسية تشير إلى مجموعة من العوامل الكامنة وراء تكرار تأجيل الأفراد لأعمالهم، من أبرزها تراجع القدرة على تنظيم الذات وإدارة الوقت بشكل فعال، إضافة إلى ميل الفرد للبحث عن الإشباع الفوري، ما يجعله يتجنب بذل الجهد المرتبط بمكافأة مؤجلة.
ولفتت إلى أن الكمالية الزائدة تلعب دوراً بارزاً في هذا الجانب، إذ يدفع السعي نحو الأداء المثالي الفرد إلى تجنب البدء خشية الوصول إلى مستوى أقل من طموحه، مشيرةً إلى أن عوامل أخرى تدخل ضمن أسباب المماطلة، مثل ضعف الدافعية الداخلية تجاه المهمة المطلوبة، وصعوبة تقدير الفرد للوقت الفعلي اللازم لإنجازها بدقة، وهو ما يؤدي إلى تراكم المهام وتكرار نمط التأجيل مع مرور الوقت.
وأفادت بأن المماطلة تؤثر على الأداء الدراسي والمهني، إذ ترتبط بانخفاض جودة الإنجاز، وتراكم الأعباء، وضعف مستوى التحصيل العام، وأوضحت أن الفرد يجد نفسه أمام كم متزايد من المهام المتأخرة التي يصعب التعامل معها ضمن الوقت المتاح.
وتحدثت الاختصاصية هيفين في تصريح خاص لـ شام عن تأثير المماطلة على الجانب النفسي، وأشارت إلى أنها تترافق في صورتها المزمنة مع ارتفاع مستويات القلق والتوتر، وتراجع تقدير الذات، وازدياد الشعور بالذنب والإحباط، وأكدت أنه مع استمرار هذا النمط يتشكل تدريجياً مسار متكرر يغذي فيه الشعور بالفشل استمرار التأجيل، بحيث يصبح كل إخفاق جديد دافعاً إضافياً للهروب من مواجهة المهمة التالية.
ونوهت إلى أن الخوف من الفشل يُعد من أقوى المحركات النفسية للمماطلة، إذ يلجأ الفرد إلى تجنب المهمة كوسيلة دفاعية للحماية من مواجهة نتيجة قد تكشف قصوراً في قدراته الشخصية، وأوضحت أن هذا النمط يُعرف في الأدبيات النفسية بمصطلح «التخريب الذاتي»، حيث يفضل الشخص عزو فشله المحتمل إلى ضيق الوقت بدلاً من ربطه بكفاءته الفعلية، ما يمنحه نوعاً من الحماية النفسية المؤقتة على حساب الإنجاز الفعلي.
وذكرت أن ارتفاع مستوى القلق بشكل عام يزيد من احتمالية تجنب المهام المرتبطة بمصادر التوتر، إذ يصبح الابتعاد عن المهمة وسيلة للتخفيف الآني من الشعور بالضغط، رغم أنه يكرّس الحلقة ذاتها من التأجيل والتوتر على المدى الطويل.
أخطاء شائعة تعزز المماطلة… واستراتيجيات عملية للبدء
وبيّنت هوري أن من أكثر الأخطاء شيوعاً بين الأشخاص الذين يعانون من المماطلة انتظار الحافز المناسب قبل البدء، في حين أن الدافعية غالباً ما تتولد أثناء الشروع الفعلي في العمل نفسه، وأضافت أن من الأخطاء أيضاً تحديد أهداف كبيرة وغير مجزأة يصعب البدء بها، والاعتماد على جلسات عمل مكثفة قبيل الموعد النهائي، بدلاً من توزيع الجهد بشكل منتظم على مدار الوقت المتاح.
وشددت على أن بعض الأشخاص يميلون إلى إلقاء اللوم على عوامل خارجية بشكل دائم، متجنبين بذلك مواجهة السبب الحقيقي الكامن وراء تأجيلهم، إضافة إلى الانشغال بمهام ثانوية بسيطة تُستخدم عملياً كوسيلة للهروب من مواجهة المهمة الأساسية.
وفيما يتعلق بالنصائح التي تساعد على البدء الفعلي بإنجاز المهام، أوضحت أن برامج العلاج المعرفي السلوكي المستخدمة في التعامل مع المماطلة تشير إلى عدد من الاستراتيجيات الفعالة، من بينها تجزئة المهمة الكبيرة إلى خطوات صغيرة قابلة للتنفيذ خلال دقائق محدودة، واستخدام تقنية البدء لخمس دقائق فقط للتغلب على مقاومة الانطلاق الأولى.
وأكدت هيفين هوري أهمية تحديد مواعيد واضحة لكل مرحلة من مراحل المهمة، بدلاً من الاكتفاء بموعد نهائي واحد، إلى جانب تقليل عوامل التشتيت في بيئة العمل بشكل مباشر، كما لفتت إلى ضرورة استبدال التفكير الكمالي بمعيار الإنجاز الكافي، من خلال تقبل مستوى أداء جيد بدلاً من انتظار المثالية، إضافة إلى مكافأة الذات عند إتمام كل مرحلة صغيرة لتعزيز الاستمرارية.
يبقى التعامل مع المماطلة مرتبطاً بقدرة الفرد على ملاحظة أنماط سلوكه وفهم العوامل التي تدفعه إلى التأجيل، إذ لا يقتصر تجاوزها على زيادة الجهد فقط، بل يتطلب تغيير بعض طرق التفكير وتنظيم خطوات العمل، ومع اختلاف أسباب المماطلة من شخص إلى آخر، تتعدد الأساليب التي يمكن أن تساعد على الحد من تأثيرها وتحسين التعامل مع المهام.