بلا عقد مكتوب.. كيف يثبت العامل حقوقه ويحمي مستحقاته؟
تنتشر في سوق العمل حالات تبدأ فيها العلاقة بين العامل وصاحب العمل من دون عقد مكتوب يحدد الأجر وطبيعة المهام وساعات العمل والحقوق المترتبة على الطرفين، وهو ما قد يثير إشكالات عند وقوع خلاف حول المستحقات أو شروط العمل.
وفي مثل هذه الحالات، تصبح مسألة إثبات علاقة العمل وتفاصيل الاتفاق من أبرز التحديات التي تواجه العامل، ما يطرح تساؤلات حول الأدلة التي يمكن الاستناد إليها، والحقوق التي يمكن المطالبة بها، والإجراءات المتاحة عند غياب العقد المكتوب.
وتبرز المشكلة بصورة أكبر في حالات العمل غير الموثق عندما ينشأ خلاف حول الأجر المتفق عليه أو ساعات العمل أو المستحقات أو إنهاء العلاقة الوظيفية، إذ يصبح تحديد ما اتفق عليه الطرفان أكثر تعقيداً في غياب وثيقة مكتوبة توضح الحقوق والالتزامات منذ البداية.
وفي هذا السياق، قالت المحامية غالية هلال، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن العامل لا يفقد حقوقه لمجرد عدم امتلاكه عقد عمل مكتوباً، موضحة أن علاقة العمل والحقوق الناشئة عنها يمكن إثباتها بوسائل متعددة.
غياب العقد لا يعني غياب الحقوق
أوضحت هلال أن العامل يستطيع الاستناد إلى الأدلة والقرائن المتاحة لإثبات علاقة العمل، ومنها شهادة الشهود والمراسلات والمحادثات المتعلقة بالعمل، بما فيها الرسائل المتبادلة عبر تطبيقات التواصل، إلى جانب الوثائق التي تظهر طبيعة العلاقة بين العامل وصاحب العمل.
ويتوافق ذلك مع قانون العمل السوري رقم 17 لعام 2010، الذي يلزم صاحب العمل بتحرير عقد العمل كتابة، لكنه يجيز للعامل، عند عدم وجود عقد مكتوب، إثبات حقوقه بجميع طرق الإثبات، كما يتيح لصاحب العمل إثبات العكس بالطريقة ذاتها.
وبينت هلال أن الحقوق التي يمكن أن تكون موضع مطالبة تشمل الأجر والمستحقات والتعويضات والإجازات وغيرها من الحقوق المرتبطة بعلاقة العمل، وفق طبيعة الحالة والأحكام القانونية الناظمة لها.
كيف يثبت العامل أنه كان يعمل؟
أشارت هلال إلى أهمية جمع كل ما يمكن أن يشكل دليلاً على وجود علاقة العمل، مثل التحويلات المالية أو المصرفية إن وجدت، وشهادات الزملاء، والرسائل النصية أو البريد الإلكتروني المتبادل مع الإدارة، وبطاقات الدخول إلى المنشأة والصور المرتبطة ببيئة العمل.
ويمكن أن تكتسب هذه الأدلة أهمية خاصة عندما ينكر صاحب العمل وجود العلاقة أو يختلف الطرفان بشأن قيمة الأجر أو مدة العمل أو طبيعة المهام التي كان العامل يؤديها.
ولذلك يصبح الاحتفاظ بالوثائق والمراسلات المتعلقة بالعمل إجراءً مهماً منذ بداية العلاقة المهنية، وليس فقط بعد وقوع النزاع، إذ قد تساعد هذه المواد لاحقاً في توضيح طبيعة الاتفاق وإثبات الحقوق محل الخلاف.
من التسوية إلى المطالبة القضائية
أوضحت هلال أن معالجة النزاع يمكن أن تبدأ بمحاولة الوصول إلى تسوية ودية والمطالبة بالمستحقات بصورة واضحة وموثقة، قبل الانتقال إلى الإجراءات الرسمية عند تعذر الوصول إلى حل.
وأضافت أن العامل يستطيع التقدم بشكوى إلى الجهة المختصة بشؤون العمل، وعرض الأدلة التي يمتلكها لإثبات العلاقة والمطالبة بحقوقه، فيما يبقى اللجوء إلى القضاء المختص مساراً متاحاً عندما لا تتم تسوية النزاع.
وقد تشمل المطالبات، بحسب طبيعة كل قضية، الأجور المتأخرة أو المستحقات المالية والتعويضات المرتبطة بإنهاء العمل وغيرها من الحقوق التي يستطيع العامل إثبات استحقاقه لها.
التوثيق يبدأ قبل وقوع المشكلة
ونصحت هلال العمال الذين يعملون من دون عقود مكتوبة بالاحتفاظ بالأدلة الرقمية والورقية التي تثبت علاقتهم بالعمل، وتوثيق أوقات الحضور والانصراف وطبيعة المهام والأجر وأي اتفاقات تجري مع صاحب العمل.
وأكدت أهمية مطالبة العامل بتوثيق علاقته الوظيفية منذ البداية، وعدم انتظار وقوع خلاف حتى يبدأ البحث عن الأدلة، لأن وجود عقد واضح يحدد الأجر وطبيعة العمل وساعاته وحقوق الطرفين يقلل مساحة الخلاف عند حدوث أي نزاع.
كما شددت على أهمية ألا يغادر العامل عمله عند وجود خلاف من دون الاحتفاظ بما يثبت طبيعة العلاقة وظروف انتهائها والمستحقات التي يطالب بها.
عندما يصبح الاتفاق الشفهي موضع خلاف
تظهر إحدى أبرز مشكلات العمل غير الموثق عندما يختلف العامل وصاحب العمل على تفاصيل الاتفاق الأصلي، فقد يقول العامل إن أجراً معيناً جرى الاتفاق عليه، بينما يقدم صاحب العمل رواية مختلفة، أو ينشأ خلاف بشأن ساعات العمل أو طبيعة المهام أو المستحقات الأخرى.
وهنا تتحول المسألة من وجود علاقة العمل فقط إلى إثبات تفاصيلها، ما يزيد أهمية الرسائل والتحويلات المالية والشهادات وغيرها من القرائن التي يمكن أن تساعد في تحديد طبيعة الاتفاق بين الطرفين.
ولهذا لا يمثل العقد المكتوب إجراءً شكلياً فحسب، بل يوفر مرجعاً واضحاً للطرفين ويحدد منذ البداية طبيعة العمل والأجر وساعاته والحقوق والمزايا المتفق عليها.
غياب التوثيق وعدم الاستقرار الوظيفي
ولا تقتصر آثار غياب العقد على الجانب القانوني، إذ يمكن أن يضع عدم وضوح الوضع الوظيفي العامل أمام حالة من عدم الاستقرار، ولا سيما عندما لا تكون قيمة الأجر أو مواعيد دفعه أو طبيعة الالتزامات والحقوق محددة بصورة واضحة.
ويساعد وضوح العلاقة المهنية على تقليل مساحة النزاعات وسوء الفهم بين الطرفين، ويمنح كلاً من العامل وصاحب العمل مرجعاً يمكن العودة إليه عند الاختلاف.
وفي المقابل، كلما طال العمل من دون توثيق، ازدادت أهمية احتفاظ العامل بالأدلة المرتبطة بعمله، لأن إثبات وجود العلاقة وحده قد لا يكون كافياً في بعض النزاعات التي تحتاج أيضاً إلى إثبات الأجر والمدة وطبيعة الاتفاق.
العقد حماية للطرفين
يبقى توثيق علاقة العمل الوسيلة الأكثر وضوحاً لحماية حقوق العامل وتنظيم التزاماته، كما يوفر لصاحب العمل إطاراً محدداً للعلاقة المهنية ويحد من النزاعات بشأن ما جرى الاتفاق عليه.
لكن غياب العقد المكتوب لا يعني أن العامل أصبح بلا حقوق، إذ تظل إمكانية إثبات علاقة العمل قائمة من خلال الأدلة المتاحة، فيما تتحدد قوة المطالبة في النهاية بحسب طبيعة الأدلة وظروف كل قضية وما تقرره الجهات المختصة.
ومن هنا، تبدأ حماية العامل قبل وقوع النزاع، عبر المطالبة بعقد مكتوب والاحتفاظ بالمراسلات والوثائق التي تثبت الأجر وطبيعة العمل ومدته. فالعقد يبقى الضمان الأكثر وضوحاً، لكن عدم وجوده لا ينبغي أن يدفع العامل إلى الاعتقاد بأن حقوقه اختفت معه.