بعد 46 عاماً على مجزرة سجن تدمر.. الناجون يعودون إلى مسرح الجريمة مطالبين بالحقيقة والعدالة
شهدت مدينة تدمر يوم الجمعة 26 حزيران/ يونيو 2026، تنظيم فعالية حملت عنوان "رحلة تدمر.. من الذاكرة إلى العدالة"، بدعوة من رابطة الناجين من سجن تدمر، وبمشاركة نحو 500 شخص قدموا من مختلف المحافظات السورية، بينهم ناجون من السجن، وذوو ضحايا، ومعتقلون سابقون، وممثلون عن الهيئة الوطنية للمفقودين، إضافة إلى ناشطين وحقوقيين وإعلاميين.
وجاء ذلك في مشهد حمل أبعاداً إنسانية ووطنية عميقة، عاد مئات الناجين من سجن تدمر وذوي الضحايا والمعتقلين السابقين إلى المكان الذي ارتبط بإحدى أكثر الجرائم دموية في تاريخ سوريا الحديث، لإحياء الذكرى السادسة والأربعين لمجزرة سجن تدمر، مؤكدين أن مرور الزمن لم ينجح في محو الذاكرة أو إسقاط حق الضحايا في العدالة والمحاسبة.
وافتتحت الفعالية بأداء صلاة الجمعة داخل ساحة السجن، في الموقع الذي عرف بين المعتقلين باسم "الساحة السادسة"** أو "ساحة الإعدام"، قبل أن يتجمع المشاركون في المكان ذاته لاستذكار الضحايا الذين قضوا في واحدة من أكثر المجازر دموية داخل السجون السورية، مؤكدين أن هذه الزيارة تمثل رسالة وفاء للضحايا، وإصراراً على إبقاء الجريمة حاضرة في الذاكرة الوطنية.
جرح لم يندمل
وأكدت الهيئة الوطنية للمفقودين التي شاركت في الفعالية، أن مجزرة سجن تدمر لا تزال تمثل جرحاً مفتوحاً في الذاكرة السورية وأن الانتهاكات التي شهدها السجن على مدى عقود طالت آلاف السوريين، وما زالت آثارها مستمرة على حياة الناجين وعائلات الضحايا والمفقودين الذين ينتظرون حتى اليوم معرفة مصير أحبائهم.
وشددت الهيئة على أن تخليد ذكرى الضحايا لا يقتصر على استذكار الماضي، بل يشكل جزءاً أساسياً من حماية الذاكرة الوطنية، مؤكدة أن كشف الحقيقة بشأن المفقودين والمختفين قسراً حق قانوني وإنساني لا يسقط بالتقادم، وأن الوصول إلى الحقيقة يمثل خطوة ضرورية لتحقيق العدالة الانتقالية وضمان عدم تكرار الانتهاكات.
شهادات تعيد تفاصيل الرعب
وشكلت شهادات الناجين أحد أبرز محاور الفعالية، إذ أعاد عدد منهم سرد تفاصيل عاشوها داخل السجن، في محاولة لتوثيق ما جرى ونقله للأجيال الجديدة، في حين نقل موقع الجزيرة نت عددا من هذه الشهادات.
وروى المعتقل السابق محمد النجاري، الذي أمضى سنوات في سجن تدمر بين عامي 1979 و1992، حادثة وصفها بأنها من أكثر المشاهد وحشية، حين نُسي أحد السجناء داخل أحد المهاجع المخصصة للمحكومين بالإعدام، قبل أن يعود عناصر السجن لاحقاً ليقتلوه بإغلاق الباب الحديدي على رأسه.
وأوضح النجاري أن كثيراً من المعتقلين كانوا يزجون في السجن بسبب تهم مرتبطة بالانتماء السياسي أو النشاط الديني، أو حتى بسبب حضور حلقات لتحفيظ القرآن، مؤكداً أن التعذيب والإعدامات كانا جزءاً من الحياة اليومية داخل السجن.
كما استعاد المعتقل السابق محمد وائل دادا ذكريات مؤلمة من داخل السجن، حيث روى أنه شاهد شقيقه معلقاً على حبل المشنقة من خلال فتحة صغيرة في أحد الأبواب، واصفاً تلك اللحظة بأنها لا تزال ترافقه رغم مرور عشرات السنين.
أما عصام حاج محرم الذي شارك والده سنوات الاعتقال، فتحدث عن الإعدامات التي كانت تنفذ بصورة منتظمة داخل السجن، مؤكداً أن أيام السبت والاثنين والأربعاء كانت تعرف بين المعتقلين بأنها أيام تنفيذ أحكام الشنق، إلى جانب ما وصفه بممارسات إذلال وتعذيب ممنهجة تعرض لها السجناء.
ولم تتوقف الفعالية عند أسوار السجن، إذ توجه المشاركون بعد انتهائها إلى وادي عويضة الذي يؤكد ناجون أنه يضم مقابر جماعية دفن فيها آلاف المعتقلين الذين أعدموا داخل السجن على مدى سنوات، حيث وقف المشاركون في صمت حداداً على الضحايا، وجددوا المطالبة بالكشف عن أماكن دفن المفقودين وتمكين عائلاتهم من معرفة مصيرهم.
وتعود مجزرة سجن تدمر إلى فجر 27 حزيران/يونيو 1980 عندما اقتحمت قوات سرايا الدفاع بقيادة رفعت الأسد السجن، ونفذت خلال نحو ثلاث ساعات عمليات إعدام جماعية بحق المعتقلين السياسيين داخل المهاجع، في واحدة من أكبر المجازر التي شهدتها السجون السورية.
وتشير تقديرات منظمات حقوقية وشهادات ناجين إلى أن عدد ضحايا المجزرة بلغ نحو 1200 معتقل فيما تتحدث روايات أخرى عن أعداد أكبر من الضحايا خلال السنوات اللاحقة، في ظل استمرار الإعدامات والانتهاكات داخل السجن الذي تحول إلى رمز للرعب والتعذيب والإخفاء القسري.
ويرى منظمو الفعالية أن إحياء ذكرى المجزرة لا يهدف فقط إلى استذكار الماضي، وإنما إلى ترسيخ حق الضحايا وذويهم في الحقيقة والإنصاف، والتأكيد على أن العدالة لا تتحقق إلا بكشف مصير المفقودين، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات الجسيمة، وحفظ الذاكرة الوطنية بوصفها ضمانة أساسية لعدم تكرار مثل هذه المآسي.
وبعد ستة وأربعين عاماً على المجزرة، عاد الناجون إلى السجن الذي خرجوا منه قبل عقود مثقلين بذكريات الألم، لكنهم عادوا هذه المرة حاملين رسالة مختلفة مفادها أن الجريمة، مهما طال الزمن، لن تغيب عن الذاكرة، وأن المطالبة بالحقيقة والعدالة ستبقى حاضرة حتى تُكشف مصائر المفقودين، ويُنصف الضحايا، وتطوى هذه الصفحة على أساس المساءلة لا النسيان.