انتحال الهوية عبر الإنترنت… احتيال يواجه المساءلة القانونية 
انتحال الهوية عبر الإنترنت… احتيال يواجه المساءلة القانونية 
● مجتمع ٤ أغسطس ٢٠٢٦

انتحال الهوية عبر الإنترنت… احتيال يواجه المساءلة القانونية

شهدت منصات التواصل الاجتماعي خلال الفترة الأخيرة تزايداً في حالات انتحال الشخصية، حيث اشتكى عدد من الأشخاص من قيام مجهولين بإنشاء حسابات وصفحات بأسمائهم واستخدام صورهم الشخصية، والتواصل مع الآخرين على هذا الأساس.


وفي بعض الحالات، عمد المنتحلون إلى طلب مبالغ مالية من معارف الضحايا، مستغلين الثقة المرتبطة بأسمائهم، فيما تجاوز الأمر ذلك أحياناً إلى نشر محتوى أو منشورات قد تسيء إلى أصحاب الهوية الحقيقية أو تتسبب لهم بمشكلات اجتماعية أو قانونية.


وتعكس هذه الممارسات أحد أبرز أشكال الاحتيال الإلكتروني وانتحال الشخصية عبر منصات التواصل، ما يسلط الضوء على خطورة هذه الظاهرة واتساع نطاقها في الآونة الأخيرة، وأمام تصاعد هذه الممارسات، يطرح ذلك تساؤلات حول توصيفها القانوني والإجراءات التي يمكن اتخاذها لملاحقة مرتكبيها والحد من انتشارها.


التكييف القانوني لـ جريمة انتحال الشخصية

في هذا السياق، قال الدكتور ركان رحال، محاضر في القانون الدولي ومحامٍ مزاول في سوريا، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن انتحال الشخصية رقمياً يُعد جريمة تزوير معلوماتي واعتداءً صريحاً على الخصوصية وحرمة الحياة الخاصة، موضحاً أن الحساب المزيّف ليس مجرد "مزحة"، بل هو انتحال هوية تُعاقب عليه القوانين بالجدية نفسها التي يُعاقَب بها التزوير في الواقع.


وأضاف أن قيام شخص بطلب مبالغ مالية من الآخرين باستخدام أسماء وصور أشخاص آخرين ينقل الفعل من مجرد انتحال صفة إلى جريمة احتيال إلكتروني كاملة الأركان، حيث يستخدم الجاني مناورات احتيالية ويستغل ثقة الناس باسم الشخص وصورته لإيهامهم بسيناريوهات كاذبة وسلب أموالهم، ما يعني أنه جمع بين جريمتي التزوير الرقمي والاحتيال.


وأشار إلى أن العقوبات القانونية المترتبة على هذه الأفعال، في حال ثبوتها، منصوص عليها في قانون مكافحة الجرائم المعلوماتية رقم 20 لعام 2022، حيث تُطبق عقوبات متدرجة ومشددة، مبيناً أن انتحال الشخصية والتزوير الرقمي وفق المادتين 24 و28 يُعاقب عليه بالحبس من شهر إلى سنة وغرامة مالية تتراوح بين 500 ألف إلى مليون ليرة سورية.


عقوبة الاحتيال الإلكتروني 


ونوّه رحال إلى أن الاحتيال الإلكتروني وجمع الأموال وفق المادة 21 يؤدي إلى مضاعفة العقوبة لتصل إلى الحبس من ثلاث إلى خمس سنوات، وغرامة مالية من 2.5 إلى 3 ملايين ليرة سورية، وذلك في حال كان الاحتيال على الأموال العامة أو الجمعيات الخيرية، أو في حال الاستيلاء على مبالغ كبيرة بما يشكل ضرراً جسيماً، أو عند استغلال القاصرين أو كبار السن أو ذوي الاحتياجات الخاصة، أو في حال تعدد الضحايا ضمن ما يُعرف بالاحتيال المنظم.


وبيّن أن الحق المدني يُلزم الجاني بإرجاع كافة الأموال المسلوبة، مع حق الضحية في المطالبة بتعويض مدني عن الضرر المعنوي الذي لحق بسمعته، ولفت إلى أن إثبات وقوع جريمة انتحال الشخصية والاحتيال الإلكتروني يعتمد على أدلة وتقنية قاطعة، مؤكداً أن البرهان الرقمي لا يكذب.


وذكر أن من أبرز هذه الأدلة التوثيق الرقمي، من خلال لقطات الشاشة المحفوظة التي تُظهر اسم الحساب ورابطه (URL) أو رقم الهاتف، إضافة إلى الخبرة الفنية الرقمية المتمثلة في التقرير الصادر عن فرع مكافحة الجرائم المعلوماتية، والذي يتضمن استخراج المعرف الرقمي (IP Address).


أهمية الأدلة المالية


وتحدث الدكتور ركان في تصريح خاص لـ شام عن الأدلة المالية، موضحاً أنها تشمل إيصالات التحويل المالي عبر شركات الهرم أو الفؤاد أو المحافظ الإلكترونية، والتي تُعد من أهم الأدلة التي تربط الجاني بالجريمة، وأوضح أن الإجراءات القانونية التي يجب على المتضرر اتخاذها فور اكتشاف هذه الأفعال تقوم على ما وصفه بـ"القاعدة الذهبية: التوثيق – التنبيه – الشكوى"، حيث يتمثل التوثيق في حفظ المحادثات ورابط الحساب فوراً وقبل أن يقوم الجاني بحذفها أو حظر الضحية.


وأكد أن التنبيه يتم عبر نشر تنبيه علني سريع على الحساب الأصلي ينفي العلاقة بالحساب المزيف، بهدف حماية المعارف والجمهور من الوقوع ضحية الاحتيال، وشدد على أن الشكوى تتطلب التحرك القانوني الفوري من خلال تقديم شكوى رسمية أمام النيابة العامة أو مراجعة فرع مكافحة الجرائم المعلوماتية لفتح ضبط شرطة وتتبع الحساب.


وأفاد بأنه يمكن تتبع الجاني قانونياً حتى في حال استخدامه حسابات أو أرقاماً وهمية، مؤكداً أنه لا يوجد إخفاء تام على شبكة الإنترنت، وأن الأرقام الوهمية لا توفر الحماية للجاني، حيث يتم تتبعه عبر العنوان الرقمي (IP Address) من خلال المزودات، إضافة إلى نقطة استلام الأموال، إذ لا تتم أي عملية استلام مالي دون تقديم هوية شخصية حقيقية، وهو ما يؤدي في النهاية إلى كشف الجناة.


ويرى محامون أن مخاطر انتحال الشخصية عبر وسائل التواصل لا تقتصر على الخسائر المالية، بل تمتد لتشمل الإضرار بالسمعة والاعتبار الشخصي، خاصة عند استخدام الحسابات المزيفة في نشر محتوى مسيء أو التفاعل باسم الضحية، ما قد يندرج ضمن جرائم التشهير ويستدعي الملاحقة القانونية.


كما يشيرون إلى أن التعامل مع هذه الحالات يتطلب تحركاً سريعاً من المتضرر، من خلال الإبلاغ عن الحسابات المزيفة واتخاذ الإجراءات المناسبة، إلى جانب دور منصات التواصل في الاستجابة للشكاوى، بما يحد من انتشار هذه الظاهرة ويخفف من آثارها.


وتستمر حالات انتحال الشخصية والاحتيال الإلكتروني في الظهور عبر منصات التواصل الاجتماعي، في ظل تنوع أساليبها واعتمادها على استغلال الثقة والعلاقات بين المستخدمين، ما يجعل التعامل معها مرتبطًا بمتابعة الإجراءات القانونية المعتمدة وتوافر الأدلة الرقمية لإثباتها.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ