اليُتم في سوريا… آثار نفسية وتحديات يومية في حياة الأطفال
تجرّع آلاف الأطفال خلال سنوات الثورة السورية مرارة اليُتم، نتيجة فقدان أحد الوالدين أو كليهما، في ظل ما شهدته البلاد من أحداث قاسية، كالقصف والاعتقال وغيرها، ما ترك آثاراً عميقة في حياتهم، ويجد هؤلاء الأطفال أنفسهم في مواجهة تحديات متزايدة في تفاصيل حياتهم اليومية، تمتد من الجوانب النفسية إلى الاجتماعية، في ظل غياب أحد أهم مصادر الدعم داخل الأسرة.
قالت سلام العبد الله (اسم مستعار)، 36 عاماً، أم لخمسة أبناء، وتقيم في ريف إدلب الجنوبي، في حديث لـشبكة شام الإخبارية، إنها وأطفالها واجهوا صعوبات عدة بعد وفاة والدهم قبل عامين ونصف، مشيرةً إلى أنهم يفتقدونه في تفاصيل حياتهم اليومية، سواء في المناسبات السعيدة أو اللحظات القاسية التي تتطلب وجوده إلى جانبهم.
وأضافت أن ابنتها الكبرى، التي تدرس حالياً في الصف التاسع، تبدو عليها علامات الحزن بشكل مستمر، وتعبّر عن شعورها بأن وجود والدها كان سيجعل وضعها النفسي ودراستها أفضل، مؤكدةً أن فقدان الأب يترك أثراً كبيراً، إذ يشعر الطفل بفراغ واضح في غيابه.
بين غياب السند وتعدد الأدوار… ضغوط متزايدة على الأم
وقال براء الجمعة، مؤسس منصة "إصغاء" والمشرف والاختصاصي في الصحة النفسية، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن أبرز التحديات التي تواجه الأم اليوم تتمثل في تحمّلها معظم أعباء الأسرة بمفردها، إلى جانب مطالبتها بأداء أدوار متباينة، تجمع بين الرعاية والاحتواء من جهة، والحزم وضبط شؤون المنزل من جهة أخرى.
وأضاف أن غياب الأب، في ظل الظروف التي شهدتها البلاد، لا يقتصر على غياب شخص، بل يعني فقدان السند الذي كانت تعتمد عليه الأم، ما يضعها أمام خيارات صعبة بين العمل لتأمين احتياجات الأسرة والبقاء إلى جانب الأبناء لرعايتهم، لافتاً إلى أن هذا الواقع يفرض عليها ضغطاً مستمراً، ويعزز شعورها بالتقصير مهما بذلت من جهد.
غياب الأب وتأثيره على الأمان النفسي والتحصيل الدراسي للطفل
وأشار إلى أن فقدان الأب ينعكس على شعور الطفل بالأمان، إذ يفقد مصدر الحماية الذي كان يعتمد عليه، ما يجعله أكثر عرضة لمشاعر القلق وعدم الاستقرار، لافتًا إلى أن هذا الغياب يعزز لديه شعورًا بالنقص، خاصة عند مقارنته نفسه بأقرانه الذين يعيشون مع آبائهم، وقد ينعكس ذلك على حالته النفسية على شكل خوف من المستقبل أو حزن داخلي مستمر.
وأكد أن العملية التعليمية لا تقتصر على الكتب والأدوات الدراسية، بل ترتبط بدافع داخلي يدفع الطفل للإنجاز والشعور بالفخر أمام من يحبهم، لافتاً إلى أن غياب الأب قد يضعف هذا الدافع، ما ينعكس على تراجع المستوى الدراسي، ليس بسبب ضعف القدرات، بل نتيجة فقدان الحافز المرتبط بالتقدير والدعم.
وأضاف الجمعة أن هذا الغياب قد يظهر أيضاً في سلوكيات الطفل، حيث قد يميل إلى العصبية أو الانعزال، في تعبير غير مباشر عن مشاعر الألم والحاجة إلى الاهتمام.
ونوّه إلى وجود مؤشرات تستدعي انتباه الأم لدى الطفل اليتيم، مثل الميل إلى الصمت بشكل مفاجئ، أو ظهور مخاوف جديدة لم تكن موجودة سابقاً، كالخوف من الظلام أو البقاء وحيداً، إضافة إلى شكاوى متكررة من آلام في البطن أو الرأس دون سبب طبي واضح، مشيراً إلى أن هذه السلوكيات قد تعبّر عن ضغوط نفسية غير مُعلنة.
وأوضح أن تغيّر سلوك الطفل، كازدياد العصبية أو العناد بشكل غير معتاد، لا يُعد سلوكاً عابراً، بل قد يكون تعبيراً عن فقدان الشعور بالأمان، ما يتطلب الانتباه والتعامل معه بوعي.
وذكر المختص براء أن الأم تواجه صعوبات متزايدة في متابعة تعليم أبنائها في ظل غياب الأب، ما يجعل هذه المسؤولية أكثر ثقلاً، خاصة إذا كانت تعمل خارج المنزل، لافتاً إلى أن القلق على مستقبل الأبناء قد يتحول إلى ضغط وتوتر ينعكس على الأجواء داخل المنزل، فتتحول أوقات الدراسة من مساحة للتعلم إلى حالة من التوتر.
وأكد أن دعم الأم لطفلها يبدأ بالحفاظ على توازنها النفسي، دون أن تضغط على نفسها لتكون مثالية، لافتًا إلى أن حاجة الطفل ترتبط بوجود أم مستقرة أكثر من سعيها للكمال، كما أشار إلى أهمية الحديث عن الأب بصورة طبيعية وإيجابية، من خلال استحضار مواقفه الجيدة، بما يعزز شعور الطفل بالارتباط والفخر رغم الغياب.
وبين أن الاحتواء العاطفي، من خلال القرب والإصغاء، يلعب دوراً أساسياً في تخفيف التوتر لدى الطفل، ويتفوق في أثره على أي أساليب توجيه مباشرة.
وأوضح أن دور المعلم والمجتمع يتمثل في التعامل مع الطفل بعيدًا عن نظرة الشفقة، والنظر إليه كطفل يواجه ظروفًا صعبة، بما يتطلب دعمه واحتواءه، منوهاً إلى أن أهمية دور المدرسة في تشجيعه ومنحه مساحة للتعبير عن نفسه، وأضاف أن تعزيز روح التكافل داخل المجتمع يسهم في توفير بيئة داعمة، تقوم على المساندة الحقيقية دون أن تتحول إلى تدخل أو إظهار للشفقة.
وشدد على أن دور المؤسسات والمنظمات لا يقتصر على تقديم المساعدات المادية، بل يشمل الحفاظ على كرامة الأسر المتضررة، مشيراً إلى أهمية توفير دعم نفسي فعلي للأمهات، إلى جانب تأمين فرص عمل تضمن لهن الاستقرار المعيشي، وتهيئة بيئة تعليمية تراعي الحالة النفسية للأطفال الذين فقدوا آباءهم، بما يحدّ من الآثار السلبية لهذه الظروف على مستقبلهم.
ووجّه الجمعة رسالة في حديث لـ "شام" إلى الأمهات اللواتي يتحملن مسؤولية تربية أبنائهن في ظل غياب الأب، مؤكدًا أن هذا الدور يتطلب جهداً كبيراً، حتى في ظل الشعور بالتعب أو التقصير أحياناً، لافتاً إلى أهمية التركيز على بناء علاقة قائمة على الوعي والاحتواء، بدل السعي لتعويض دور الأب بشكل كامل.
كما أشار إلى ضرورة الصدق مع الطفل والصبر على تقلباته، إلى جانب الاستعانة بنماذج قريبة من العائلة، كالأقارب، لتعزيز شعوره بالدعم، مؤكداً أن هذه العوامل تسهم في مساعدة الطفل على تجاوز هذه المرحلة.
بين تحمّل المسؤولية والحاجة للاحتواء
يرى مختصون في علم الاجتماع أن الطفل الذي يفقد أحد والديه لا يواجه فقط تحديات نفسية، بل يعيش أيضاً تحوّلات في موقعه داخل الأسرة، إذ قد يُدفع بشكل غير مباشر لتحمّل أدوار أكبر من عمره، مثل مساعدة الأم أو رعاية الإخوة الأصغر، ما قد يسرّع نضجه من جهة، لكنه في المقابل يحرمه من عيش مراحل طفولته بشكل متوازن.
ويشير تربويون إلى أن استقرار البيئة المحيطة بالطفل يلعب دوراً مهماً في التخفيف من آثار الفقد، إذ إن وجود روتين يومي واضح، واستمرار الطفل في مدرسته، والحفاظ على علاقاته الاجتماعية، كلها عوامل تساعده على التكيّف بشكل تدريجي، وتحدّ من شعوره بالاضطراب.
و يلفت مختصون إلى أن بعض الأطفال قد لا يُظهرون تأثرهم بشكل مباشر، بل يلجؤون إلى إخفاء مشاعرهم أو التكيّف الظاهري مع الوضع، وهو ما قد يُفهم أحياناً على أنه تجاوز للأزمة، بينما يحتاج في الواقع إلى متابعة واحتواء غير مباشر على المدى الطويل.