الوصية في القانون السوري.. ثلث التركة حد لنفاذها وضوابط تحمي حقوق الورثة والدائنين
الوصية في القانون السوري.. ثلث التركة حد لنفاذها وضوابط تحمي حقوق الورثة والدائنين
● مجتمع ١١ سبتمبر ٢٠٢٦

الوصية في القانون السوري.. ثلث التركة حد لنفاذها وضوابط تحمي حقوق الورثة والدائنين

تخضع الوصية في القانون السوري لضوابط تحدد مقدار ما يستطيع الشخص التصرف به من أمواله بعد وفاته، والجهة التي يمكن أن تؤول إليها، كما تتيح الاعتراض عليها أمام القضاء في حالات محددة، في محاولة للموازنة بين حرية الموصي في التصرف بجزء من تركته وبين حماية الحقوق المقررة للورثة والدائنين.

وتبرز أهمية معرفة هذه الأحكام عند تنظيم الوصية أو تنفيذها بعد الوفاة، إذ لا تعني صحة الوصية بالضرورة نفاذ جميع ما ورد فيها، فقد تكون مستوفية لشروطها القانونية من حيث الأصل، لكن تنفيذها يتوقف جزئياً على مقدار المال الموصى به وصفة المستفيد منها والديون المترتبة على التركة وموقف الورثة في بعض الحالات.

الثلث يرسم حدود الوصية

قالت المحامية سحر نجار، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الوصية تصرف قانوني مضاف إلى ما بعد الموت، يقرر الشخص من خلاله أثناء حياته تمليك شخص آخر مالاً أو حقاً بعد وفاته، أو يعهد إليه بأمر يرتبط بتركته أو بغيرها.

وأوضحت أن صحة الوصية تتطلب بصورة أساسية أن يكون الموصي أهلاً للتبرع وقادراً قانوناً على التصرف، وأن يكون المال أو الحق محل الوصية مشروعاً وقابلاً للتملك أو التصرف، إلى جانب أن يكون الموصى له معلوماً أو قابلاً للتعيين، وألا تتضمن الوصية ما يخالف الموانع القانونية.

وبيّنت نجار أن القاعدة الأساسية بالنسبة إلى الوصية لغير الوارث تتمثل في نفاذها ضمن حدود ثلث صافي التركة بعد سداد الديون، دون الحاجة إلى موافقة الورثة، مشيرة إلى أن المادة 238 تنظم هذا الجانب وتحدد نطاق نفاذ الوصية.

وأضافت أن تجاوز قيمة الوصية ثلث التركة لا يعني بالضرورة بطلانها بالكامل، وإنما تتوقف الزيادة على إجازة الورثة بعد وفاة الموصي، شريطة أن يكون من يجيزها كامل الأهلية، وهو ما يجعل التفريق ضرورياً بين صحة الوصية من حيث إنشائها وبين مقدار ما يمكن تنفيذه منها فعلياً.

الوصية للوارث ليست كالإرث

أوضحت نجار أن الأصل في الوصية للوارث أنها لا تنفذ إلا بإجازة بقية الورثة بعد وفاة الموصي، وبالتالي لا يمكن استخدام الوصية بصورة مطلقة لإعادة توزيع حصص الميراث أو حرمان أحد الورثة من الحقوق التي يقررها له القانون.

وأشارت إلى وجود فارق جوهري بين الإرث والوصية، فالإرث ينتقل إلى المستحقين بحكم القانون بعد وفاة المورث، بينما تمثل الوصية تصرفاً اختيارياً يصدر عن الشخص في حياته، لكنه يضاف إلى ما بعد الوفاة ويظل خاضعاً للحدود والشروط التي ينظمها القانون.

وأكدت أن الوصية لا تنتج أثرها النهائي في أموال التركة أثناء حياة الموصي، وإنما يبدأ النظر في تنفيذها بعد وفاته، وعندها يجري التحقق من صحتها ومقدار التركة والديون المترتبة عليها وصفة الموصى له، ومدى وقوع الوصية ضمن الحدود التي يسمح القانون بتنفيذها.

متى يستطيع الورثة الاعتراض؟

ذكرت نجار أن الاعتراض على الوصية لا يقوم على مجرد عدم رضا أحد الورثة عنها، وإنما يحتاج إلى سبب قانوني يمكن طرحه أمام القضاء، ومن ذلك تجاوزها ثلث التركة دون إجازة الزيادة، أو صدورها لمصلحة وارث دون موافقة بقية الورثة بعد الوفاة.

وأضافت أن أسباب الاعتراض يمكن أن تشمل أيضاً الطعن في أهلية الموصي وقت تنظيم الوصية أو وجود عيب جوهري في إرادته، أو المنازعة في صحة الوصية، أو إثبات رجوعه عنها قبل الوفاة، فضلاً عن النزاع حول ملكيته للمال الذي أوصى به أو ثبوت استخدام الوصية للتحايل على حقوق مقررة للورثة أو الدائنين.

وأشارت إلى ضرورة التمييز بين بطلان الوصية وعدم نفاذها، إذ يمكن أن تكون باطلة نتيجة فقدان أحد أركانها أو شروط صحتها، أو عدم أهلية الموصي، أو وجود عيب جوهري في إرادته، أو تعلقها بأمر غير مشروع، بينما قد تكون صحيحة في أصلها ولا ينفذ جزء منها لوجود مانع قانوني.

الموصي يستطيع تغيير قراره

أكدت نجار أن للموصي الرجوع عن وصيته أو تعديلها طوال حياته، باعتبار أنها لا تصبح نهائية بحقه بمجرد تنظيمها، ويمكن أن يكون الرجوع صريحاً من خلال إلغائها، أو أن يظهر من خلال تصرف قانوني بالمال الموصى به يتعارض مع استمرار الوصية، وفق طبيعة المال والتصرف.

وأضافت أن الموصي يستطيع كذلك تنظيم وصية جديدة تلغي الوصية السابقة أو تعدل بعض أحكامها، موضحة أن توثيق التعديل أو الرجوع بصورة رسمية وواضحة يساعد عملياً في تقليل احتمالات النزاع بين الورثة والموصى لهم بعد الوفاة.

ولفتت إلى أن قبول المستفيد بالوصية أثناء حياة الموصي لا يجعلها نهائية أو يمنع تعديلها، لأن آثارها تستقر بعد الوفاة وفق الشروط القانونية التي تحكمها.

الديون تسبق تنفيذ الوصية

شددت نجار على أن حقوق الدائنين تؤثر مباشرة في تنفيذ الوصية، إذ لا يجري احتساب الثلث بمعزل عن الديون المترتبة على التركة، وإنما يرتبط بصافي الأموال المتبقية بعد الوفاء بالالتزامات المستحقة.

وأشارت إلى أن المادة 238 تنص، بحسب نجار، على عدم نفاذ الوصية فيما يستغرقه الدين إلا بإجازة الدائن كامل الأهلية أو بسقوط الدين، بما يمنع استخدام الوصية لتجاوز الحقوق المالية الثابتة للدائنين.

وأضافت أن تنفيذ الوصية قد يتعذر أو يتغير كذلك إذا ثبت رجوع الموصي عنها قبل وفاته، أو هلك المال الموصى به أو طرأ على وضعه تغير يؤثر قانوناً في محل الوصية، أو لم يتحقق شرط مشروع ربط الموصي تنفيذها به.
 
وتبقى الوصية بذلك وسيلة تتيح للشخص ترتيب التصرف بجزء من أمواله لما بعد وفاته، لكنها ليست أداة مفتوحة لإعادة توزيع كامل التركة، إذ تحكمها حدود تتصل بالثلث وحقوق الورثة والدائنين وأهلية الموصي وسلامة إرادته، فيما يبقى القضاء الجهة المختصة بالفصل في النزاعات عند الطعن بصحتها أو مقدار ما يجوز تنفيذه منها.ح

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ