“المونة” في سوريا: تغيرات اقتصادية تنعكس على العادات الموسمية
“المونة” في سوريا: تغيرات اقتصادية تنعكس على العادات الموسمية
● مجتمع ١٦ مايو ٢٠٢٦

“المونة” في سوريا: تغيرات اقتصادية تنعكس على العادات الموسمية

تُعد “المونة” من العادات الغذائية والاجتماعية الأساسية في سوريا، إذ تحرص كثير من السيدات خلال موسمها على إعداد أصناف متنوعة تُستهلك خلال فصل الشتاء، في تقليد ارتبط لسنوات طويلة بالاكتفاء المنزلي وتوفير الاحتياجات الغذائية للعائلة.

 إلا أن هذه العادة تأثرت خلال السنوات الأخيرة بتراجع القدرة الشرائية والظروف الاقتصادية الصعبة التي تواجهها آلاف الأسر السورية، ما انعكس على قدرة العائلات على إعداد “المونة” بالكميات المعتادة.

ومع ارتفاع أسعار الخضروات والوقود والكهرباء وتكاليف التخزين، اتجهت بعض الأسر إلى تقليص الكميات أو الاستغناء عن بعض الأصناف مقارنة بالسنوات السابقة، في ظل ضغوط معيشية أثرت على أنماط الاستهلاك والشراء، وجعلت الحفاظ على هذا التقليد أكثر صعوبة بالنسبة لكثير من العائلات.

وتقول نساء إن “المونة” في السابق كانت تشمل أصنافاً متنوعة تُحضّر بكميات كبيرة داخل المنزل، إلا أن هذه العادة تغيّرت خلال السنوات الأخيرة، مع اتجاه كثير من الأسر إلى تقليل الكميات أو الاكتفاء ببعض الأصناف فقط، نتيجة ارتفاع التكاليف وتراجع القدرة على تأمين مستلزماتها.

وعادة ما تحرص كثير من النساء خلال موسم “المونة” على تجهيز أصناف متنوعة تُستخدم لاحقاً خلال فصل الشتاء، إذ يجري تقشير الفول والبازلاء وتجميدهما، وتجفيف الملوخية والبامية، إلى جانب كبس ورق العنب وحفظه، وحفر الباذنجان وتجفيفه، فضلاً عن إعداد المربيات بمختلف أنواعها، وغيرها من المواد الغذائية التي اعتادت الأسر السورية تخزينها ضمن هذا التقليد الموسمي.

ارتفاع التكاليف يقلّص جدوى “المونة” في سوريا

قال الخبير الاقتصادي الدكتور عبدالله قزّاز، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الجدوى الاقتصادية لـ"المونة" في سوريا تراجعت مقارنة بالسنوات السابقة، مرجعاً ذلك إلى عدة عوامل، أبرزها تأثر السوق السوري بالأسعار العالمية للمواد الغذائية، ما أدى إلى ارتفاع تكلفة المنتجات الزراعية حتى في موسم الحصاد، بالإضافة إلى انخفاض إنتاج بعض الخضروات لصالح منتجات زراعية أكثر ربحية.

وأضاف أن ارتفاع أسعار الأسمدة والبذور بشكل كبير لا يمكن إغفاله، لما يسببه من زيادة في كلفة الزراعة، مشيراً إلى أن ارتفاع أسعار الوقود حالياً سيؤثر على تكاليف الزراعة والنقل والتخزين والتجهيز، وبالتالي رفع أسعار الخضروات الداخلة في المونة.

وأوضح أن زيادة عدد الوسطاء بين المنتج والمستهلك تسهم في تضخم الأسعار، حيث يضيف كل وسيط هامش ربح على السعر النهائي، لافتاً إلى أن ضعف الرقابة على الأسواق يؤدي إلى عدم استقرار الأسعار واستغلال المستهلكين، ما يزيد من الأسعار بشكل غير مبرر.

وبيّن قزّاز أن تكلفة “المونة” لأسرة مؤلفة من أربعة أشخاص وبكميات محدودة تُقدّر بنحو 5000 ليرة (500 ألف ليرة قديمة) كحد أدنى، وقد ترتفع هذه التكلفة مع زيادة تعرفة الكهرباء، وهو ما لا يتناسب مع دخل المواطن.

وأشار في تصريح خاص لـ شام إلى أن ارتفاع التكلفة الناتج عن زيادة تعرفة الكهرباء والاعتماد على التخزين في البرادات سيؤدي إلى زيادة الكلفة بنحو 25 بالمئة مقارنة بالعام الماضي، موضحاً أن الأسر كانت سابقاً تعتمد على أساليب تقليدية في التخزين والتجفيف تحت أشعة الشمس وبكميات أقل.

ولفت إلى أن كل تاجر بات يسعّر كما يشاء دون ضوابط واضحة، الأمر الذي انعكس سلبياً على المزارع الذي يتحمل الخسارة بالدرجة الأولى نتيجة ارتفاع تكاليف السماد والسقاية والمبيدات، فضلاً عن تعدد حلقات الوساطة التي تؤدي إلى ارتفاع سعر الكيلوغرام من سوق الهال إلى أسواق المفرق بأكثر من 40 بالمئة.

وذكر أن اعتماد الأسر بشكل أكبر على المونة لتوفير المواد الغذائية يعد دليلاً على عدم قدرتها على شراء المنتجات في غير مواسمها بسبب ارتفاع أسعارها وضعف قوتها الشرائية.

ونوّه إلى أن من بين السياسات الاقتصادية المقترحة دعم القطاع الزراعي من خلال تقديم القروض والدعم الفني وتخفيف الضرائب، إلى جانب تعزيز الرقابة على الأسواق للحد من استغلال الأسعار، وتوفير الدعم الحكومي للسلع الغذائية الأساسية لتخفيف العبء عن الأسر، والاستثمار في النقل والتخزين لتحسين كفاءة السوق وتقليل الفاقد.

تعكس “المونة” اليوم واقعاً اقتصادياً يفرض نفسه على تفاصيل الحياة اليومية في سوريا، إذ لم تعد عادة موسمية ثابتة كما في السابق، بل أصبحت مرتبطة بقدرة الأسر على تحمّل تكاليفها في ظل ارتفاع الأسعار وتزايد الأعباء المعيشية، ما جعل هذا التقليد يتكيف تدريجياً مع الظروف الاقتصادية الراهنة.

 

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ