المحاكمات الغيابية في سوريا: كيف تسير الدعوى وما الفرق عن الأحكام الوجاهية؟
مع بدء أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب حضورياً، أصدرت الجهات المختصة استدعاءات غيابية بحق رئيس النظام المخلوع وشقيقه ماهر، إلى جانب عدد من كبار المسؤولين العسكريين والأمنيين السابقين، في وقت مُنح فيه المتهمون الفارّون مهلة قانونية للمثول أمام المحكمة وتقديم إفاداتهم.
وأعادت هذه الإجراءات طرح تساؤلات حول طبيعة المحاكمات الغيابية والأحكام الصادرة عنها، والفروقات بينها وبين الأحكام الوجاهية، إضافة إلى الآليات القانونية المرتبطة بكل منها.
وعرّف المحامي علي محمد إسكان، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، المحاكمات العلنية بأنها الجلسات التي تتيح المحكمة للجمهور ووسائل الإعلام حضورها والاطلاع على إجراءاتها، مشيراً إلى أن هدفها يتمثل في ضمان الشفافية والنزاهة، وكفالة حق المتهم في دفاع علني، لافتاً إلى أن الأصل هو علنية الجلسات، ما لم تقرر المحكمة سريتها لأسباب أمنية أو أخلاقية.
وأوضح أن المحاكمات الغيابية هي إجراءات قضائية جنائية تُعقد وتصدر أحكامها دون حضور المتهم أمام المحكمة، نتيجة هروبه أو عدم تبلغه، أو امتناعه عن الحضور رغم علمه بالدعوى، وبيّن أن هذه الأحكام تكون غالباً قابلة للاعتراض أو إعادة النظر، في حال إلقاء القبض على المتهم أو تسليمه نفسه.
مسار الدعوى الجزائية من التحقيق إلى المحاكمة
وفي هذا السياق، أوضح المحامي عبد الناصر حوشان، النائب في مجلس الشعب، في حديث لشبكة شام الإخبارية، المسار القانوني الذي تسلكه الدعوى الجزائية في سوريا، مبيناً مراحلها منذ تحريكها وحتى صدور الحكم، إلى جانب الفرق بين المحاكمات الوجاهية والغيابية، والآليات المعتمدة لملاحقة المتهمين الفارّين.
وقال حوشان إن الدعوى تمر بثلاث مراحل قبل وصولها إلى المحكمة المختصة، مضيفاً أنها تبدأ أمام النيابة العامة، حيث تقوم بإجراء التحقيقات الأولية، وتنظيم الادعاء العام، ثم تُحيل الملف إلى قاضي التحقيق في القضايا الجنحية أو الجنائية، إذ تُحال الجنح الشديدة إلى قاضي التحقيق.
وأشار إلى أن قاضي التحقيق يقوم بدراسة الدعوى، فإذا تبيّن له أن الجرم يُشكّل جنحة، أحالها إلى محكمة بداية الجزاء أو إلى صلح الجزاء، كلٌّ بحسب الاختصاص، أما إذا تبيّن أن الجرم يُشكّل جناية، فيُحيل الدعوى إلى محكمة الجنايات عن طريق قاضي الإحالة.
ونوه إلى أن الدعوى تمرّ بعد ذلك على قاضي الإحالة، الذي يطّلع على ملفها، فإذا وجد أن قرار قاضي التحقيق متوافق مع القانون، يُحيل الدعوى إلى محكمة الجنايات مشفوعةً بمذكرتي قبض ونقل، وتُعدّ هاتان المذكرتان مدخلاً لبدء المحاكمة بحق المتهم.
وذكر الحقوقي لـ "شام" أن بعد صدور قرار الاتهام في الجنايات، وتصديق قاضي الإحالة عليه، تُحال الدعوى إلى محكمة الجنايات المختصة مرفقةً بمذكرتي القبض والنقل، ويُقصد بمذكرة القبض ملاحقة المتهم وتوقيفه، إذ لا تجوز محاكمة أي شخص أمام محكمة الجنايات إلا إذا كان موقوفاً، سواء سلّم نفسه طوعاً أو تم إلقاء القبض عليه من قبل الجهات المختصة وتقديمه إلى المحكمة.
وعند ذلك، تبدأ المحاكمة العلنية، فإذا سلّم المتهم نفسه تكون المحاكمة وجاهية، وتستمر الجلسات إلى حين صدور الحكم، الذي يكون حكماً وجاهياً، وهو أحد صور الأحكام الصادرة عن محكمة الجنايات.
من التبليغ إلى الحكم الغيابي وملاحقة الفارّين
أما فيما يتعلق بالحكم الغيابي، ذكر عبد الناصر حوشان أنه فيكون في حال قيام قاضي الإحالة بإحالة الملف إلى محكمة الجنايات مشفوعاً بمذكرتي القبض والنقل، فتنتقل الدعوى إلى المحكمة المختصة.
وتقوم المحكمة بتبليغ المتهم مذكرة دعوة للحضور أمامها في موعد الجلسة، سواء تم التبليغ وجاهياً، أو بالواسطة، أو عن طريق المختار، فإذا تبلّغ المتهم أصولاً ولم يحضر الجلسة الأولى في موعدها، تقوم المحكمة في هذه الحالة بتأجيل الدعوى، وتحديد موعد جديد، وتُصدر قراراً يُعرف بـ"قرار المهل"، تمنحه بموجبه مهلة مدتها عشرة أيام لتسليم نفسه أو الحضور أمام المحكمة.
فإذا انقضت هذه المهلة دون أن يُسلّم المتهم نفسه أو يمثل أمام المحكمة، تتابع المحكمة النظر في الدعوى، ثم تُصدر حكمها بصورة غيابية، وهذا هو الحكم الغيابي، ولا بدّ أن يمرّ الحكم الغيابي بمرحلة العلنية، إذ تُفتتح الدعوى أمام المحكمة سواء كان المتهم حاضراً أم غائباً، وتُتلى الإجراءات بشكل علني، وتُثبَّت وقائع الجلسات في محاضر رسمية، وذلك لضمان صحة الإجراءات واتخاذ القرار الصحيح.
وأشار إلى أن الأحكام الغيابية في حال مرور مدة دون أن يسلّم المحكوم عليه نفسه، ولتفادي إشكالية التقادم، تُرسل مذكرات الحكم إلى الجهات الشرطية، إذ تُعمَّم الأحكام الغيابية عبر النشرات الشرطية على الحدود والمطارات ومراكز الشرطة، ويُدرج اسم المحكوم عليه ضمن إذاعات البحث، بحيث يُعمَّم في جميع الأماكن الممكنة لضبطه، وفي حال إلقاء القبض عليه، يُحال إلى المحكمة، وذلك لقطع التقادم ومنع سقوط الحكم بمرور الزمن.
الطعن في الأحكام: الفرق بين الوجاهي والغيابي
وأوضح أن الأحكام الوجاهية بشكل عام قابلة للطعن، إذ يحق للمتهم، في حال صدور الحكم، الطعن أمام محكمة النقض خلال ثلاثين يوماً من تاريخ تبليغه بالحكم أو من اليوم التالي لصدوره، أما الأحكام الغيابية، فلا يُطعن فيها بالطريقة ذاتها، وإنما تسقط إذا قام المحكوم عليه غيابياً بتسليم نفسه إلى المحكمة أو أُلقي القبض عليه، وعندها يُعتبر الحكم كأنه غير قائم.
وبيّن أن التحدي الأكبر حالياً يتمثل في حجم القضايا الكبير في سوريا، إلى جانب عدم اكتمال عملية إصلاح المؤسسات، ولا سيما القضاء، ما يستدعي رفد المحاكم بالقضاة، لافتاً إلى أن هروب عدد من المتهمين خارج البلاد يفرض استمرار مسار العدالة سواء عبر المحاكمات الغيابية أو الوجاهية.
وتبقى المحاكمات الغيابية خطوة أولى في مسار العدالة الانتقالية، بوصفها إجراءً اضطرارياً لا يغني عن المحاكمات الحضورية الكاملة، لكنها تؤكد أن الانتهاكات الماضية ما تزال قيد المساءلة، وتؤدي دوراً مهماً في منع سقوط الدعاوى بالتقادم، وحفظ حقوق الضحايا، وتوثيق الجرائم في السجلات الرسمية، بما يضمن بقاء هذه الحقوق حاضرة ضمن مسار العدالة.