العنف الأسري بين الإخوة: بين الدوافع الاجتماعية والتكييف القانوني
تسمح بعض العائلات في سوريا لأبنائها الذكور بممارسة العنف ضد أخواتهم داخل المنزل، سواء عبر الضرب أو فرض السيطرة والتحكم، في ممارسات تُبرَّر أحياناً ضمن إطار التربية أو العادات الاجتماعية، رغم ما تحمله من آثار مباشرة على توازن العلاقات داخل الأسرة.
وتنعكس هذه السلوكيات على الفتيات بشكل مباشر، إذ قد تتسبب لهن بآثار نفسية وسلوكية متعددة، وتؤثر على شعورهن بالأمان والاستقرار داخل البيئة الأسرية، كما تطرح تساؤلات حول الأبعاد القانونية والاجتماعية لهذه الظاهرة، وآليات التعامل معها والحد من آثارها.
أسباب اجتماعية وتربوية وراء العنف داخل الأسرة
وفي هذا السياق، قالت صفاء الصالح، أخصائية اجتماعية أسرية، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن السماح لبعض الأسر للذكور بممارسة العنف ضد الأخوات يعود إلى مزيج من العوامل الاجتماعية والتربوية، في مقدمتها ثقافة التفوق الذكوري التي تمنح الذكور سلطة غير مبررة داخل المنزل.
وأضافت أن من بين هذه العوامل أيضاً تربية قائمة على الطاعة العمياء للذكر باعتباره “الرجل الصغير”، إلى جانب ضعف الضوابط الأسرية وغياب نموذج أبوي قائم على الاحترام المتبادل، وأشارت إلى أن تبرير العنف كوسيلة للتأديب بدل الحوار يشكل عاملاً إضافياً في ترسيخ هذه الممارسات، فضلاً عن ضغط المجتمع الذي يربط قوة الذكر بقدرته على السيطرة.
وتحدثت عن الآثار النفسية المباشرة على الفتيات، موضحة أنها تشمل انخفاض تقدير الذات والشعور بأن قيمتهن أقل من الآخرين، إضافة إلى الخوف المزمن وتوقع الأذى في أي لحظة، وبيّنت أن هذه التجارب قد تؤدي أيضاً إلى اضطرابات القلق والنوم نتيجة التوتر المستمر، فضلاً عن الشعور بالذنب والعار حتى دون سبب، وتجمّد القدرة على التعبير عن الرأي خوفاً من العقاب.
ولفتت إلى أن هذا النوع من العنف يخلق توتراً داخل الأسرة، حيث يتحول المنزل إلى بيئة تهديد لا أمان، وتتجه العلاقات بين الإخوة نحو التفكك، مع ظهور حالة من التحزّب والصراع الدائم، وذكرت أن الفتيات قد يفقدن الثقة بأهلهن نتيجة هذه الممارسات، ما يجعل التواصل داخل الأسرة متوتراً أو منقطعاً، في ظل سيادة الصمت العاطفي وغياب الحوار الصحي.
وأوضحت أن انعكاس هذه التجربة يمتد إلى العلاقات الاجتماعية للفتيات، حيث قد تظهر عزلة اجتماعية نتيجة الخجل أو الخوف من التفاعل، إضافة إلى صعوبة في بناء علاقات آمنة مع الآخرين، خاصة الذكور، ونوهت إلى أن بعض الفتيات قد يمِلن إلى علاقات غير متوازنة أو إلى الخضوع المفرط، مع احتمال ظهور حالات اكتئاب أو قلق اجتماعي أو حساسية مفرطة للنقد.
وأكدت أن هذه التجارب قد تؤثر كذلك على قدرة الفتاة في الدفاع عن نفسها أو وضع حدود واضحة في علاقاتها مع الآخرين، وشددت على أهمية تبني حلول وتدخلات للحد من هذه الظاهرة، تبدأ بتوعية الوالدين بأن العنف ليس وسيلة تربية بل هدم نفسي، إلى جانب تدريب الأسرة على مهارات التواصل غير العنيف.
وأفادت بضرورة تعزيز مفهوم المساواة داخل المنزل وإلغاء الامتيازات غير المبررة، وإشراك الذكور في برامج ضبط الغضب وتعزيز الشعور بالمسؤولية الأسرية، وأكدت على أهمية توفير دعم نفسي للفتيات لمساعدتهن على استعادة الثقة والقدرة على التعبير، إضافة إلى دور المجتمع في إطلاق حملات توعية وسنّ قوانين حماية، وتنفيذ برامج مدرسية تعزز احترام الآخر.
التكييف القانوني للعنف الأسري في القانون السوري
وفي الإطار القانوني، أكد باسل موسى، محامٍ أستاذ مقيد لدى نقابة المحامين في دمشق، من خلال تصريح خاص لـ شام، أن القانون السوري ينظر إلى العنف الجسدي داخل إطار الأسرة بوصفه جرماً يشكل اعتداءً صارخاً على السلامة الجسدية والنفسية، ولا يمنحه أي ميزة تخفيفية لمجرد وقوعه داخل المنزل، لافتاً إلى أن المنظومة التشريعية باتت تتعامل مع الحالات الحادة منه كجرائم تعذيب معاقب عليها بمدد قد تصل إلى الإعدام.
وأضاف أن المشرّع السوري، ووفقاً للتعديل الأحدث بالمرسوم التشريعي رقم 15 لعام 2022، ألغى مصطلح “الأشغال الشاقة” واستبدله بمصطلح “السجن المؤقت أو المؤبد” كعقوبة جنائية عادية، مع الإبقاء على إلزامية تشغيل المحكومين بما يتناسب مع جنسهم وعمرهم بهدف تأهيلهم، وذلك بموجب المادة 45 المعدلة.
وأشار إلى أن حق التأديب يعد حقاً لصيقاً بالصفة الشخصية للأبوين فقط، ولا يجوز تفويضه للإخوة الذكور بأي شكل من الأشكال، مبيناً أن اجتهاد محكمة النقض السورية مستقر على أن أي ضرب يترك أثراً جسدياً، كالكدمات أو الجروح، يخرج بالكامل عن حدود التأديب المباح، وبالتالي فإن سماح الوالدين للابن الذكر بضرب شقيقته ينزع عن الفعل أي غطاء قانوني ويضعه ضمن إطار التجريم المطلق.
وفيما يتعلق بالتوصيف القانوني لمثل هذه الممارسات، أوضح موسى أنه في ظل غياب قانون خاص ومستقل لمناهضة العنف الأسري في سوريا، يتم التوصيف وفقاً لأحكام القانون العام وقواعد الاشتراك الجرمي، إضافة إلى قانون تجريم التعذيب رقم 16 لعام 2022.
وبيّن أن الفعل قد يُصنف كجرم تعذيب وفق القانون رقم 16 لعام 2022، في حال نتج عن ضرب الأخ لشقيقته ألم أو عذاب شديد، سواء كان جسدياً أو عقلياً، بقصد معاقبتها أو تخويفها أو إكراهها، أو على أساس التمييز، بما في ذلك التمييز القائم على الجنس نتيجة سماح الوالدين للذكر باضطهاد الأنثى، أو إذا ارتكب الفعل لتحقيق مآرب شخصية أو بدافع الثأر أو الانتقام، وهو ما يجعله جرماً مستقلاً كامل الأركان وليس مجرد إيذاء عادي.
ولفت إلى أن التوصيف القانوني لا يقتصر على الفاعل المباشر، بل يمتد ليشمل الوالدين استناداً إلى قواعد الاشتراك في الجريمة والمادة الأولى من قانون تجريم التعذيب، موضحاً أن الأخ الذكر يُلاحق بصفته فاعلاً مباشراً لجرم الإيذاء أو التعذيب، في حين يعد الوالدان، في حال التحريض أو الموافقة الصريحة أو الضمنية، شريكين في الجرم، إذ نص القانون صراحة على تجريم من يحرض أو يوافق على التعذيب، فضلاً عن أحكام التحريض الواردة في المادة 216 من قانون العقوبات.
وتحدث عن العقوبات المترتبة على ثبوت حالات الإيذاء الجسدي داخل الأسرة، موضحاً أنها تتوزع بحسب جسامة الإصابة وسياق الفعل، مع الإشارة إلى أن القانون رقم 15 لعام 2022 ضاعف الغرامات المالية المرافقة للعقوبات لأكثر من 50 ضعفاً، في حين فرض القانون رقم 16 لعام 2022 عقوبات جنائية مشددة.
وأفاد بأنه في إطار قانون العقوبات العام، يعاقب على الإيذاء الخفيف، إذا أدى إلى تعطيل لا يتجاوز 10 أيام، بالحبس حتى ستة أشهر وغرامة جنحية محدثة تتراوح بين 100 ألف و500 ألف ليرة سورية، على أن تحريك الدعوى يتوقف على شكوى المتضرر، في حين يعاقب الإيذاء المتوسط، إذا تجاوز التعطيل 10 أيام ولم يزد على 20 يوماً، بالحبس من شهرين إلى سنة وغرامة مماثلة.
وأكد أن الإيذاء الجسيم، في حال تجاوز التعطيل 20 يوماً، يعاقب عليه بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات مع الغرامة الجنحية، ولا تسقط الدعوى العامة فيه بالتنازل، بينما تصل العقوبة في حال حدوث عاهة دائمة إلى السجن المؤقت الذي قد يبلغ عشر سنوات، إضافة إلى غرامة جنائية محدثة تتراوح بين 500 ألف ومليون ليرة سورية.
وشدد على أن قانون تجريم التعذيب رقم 16 لعام 2022 ينص على عقوبات أشد، إذ يعاقب بالسجن المؤقت لمدة تصل إلى ثلاث سنوات كل من ارتكب التعذيب أو شارك فيه أو حرض عليه، بينما تصل العقوبة إلى السجن المؤبد إذا وقع التعذيب على طفل دون 18 عاماً أو نتجت عنه عاهة دائمة، وتصل إلى الإعدام في حال أفضى التعذيب إلى وفاة الضحية أو ترافق مع جرائم اغتصاب أو فحشاء.
وفيما يخص آليات الحماية، ذكر موسى أن القانون يوفر مجموعة من الضمانات، من بينها بطلان أي اعتراف أو تنازل يتم تحت الإكراه أو نتيجة التعذيب داخل الأسرة، إضافة إلى حظر التذرع بأوامر الوالدين لتبرير العنف، فضلاً عن التزام الجهات القضائية بحماية الشهود والمبلغين وضمان سرية الشكاوى.
وأضاف أن للضحية الحق في المطالبة بالتعويض المادي والمعنوي عن الأضرار التي لحقت بها، كما يمكنها التقدم بشكوى فورية لدى النيابة العامة أو عبر وحدات حماية الأسرة في وزارة الداخلية، حيث يتم تحويلها إلى اللجنة الطبية الشرعية لإثبات الأذى الجسدي والنفسي بشكل رسمي.
ونوه إلى أن المسار الشرعي يتيح للقاضي اتخاذ إجراءات تصل إلى نزع الولاية الشرعية عن الأب في حال ثبوت عدم أمانته أو إساءة استخدام سلطته، ونقل حضانة الفتاة إلى طرف آخر مأمون، أو إيداعها دور الرعاية المؤقتة، استناداً إلى مبدأ حماية مصلحة المحضون وسلامته.
وأشار إلى أن المفارقة في الواقع السوري تكمن في وجود نصوص قانونية صارمة، يقابلها تحدٍ إجرائي واجتماعي، يتمثل في غياب أوامر الحماية المستعجلة التي تفصل المعتدي عن الضحية فوراً، ما يدفع كثيراً من الضحايا إلى التنازل عن حقوقهم تحت ضغط الظروف العائلية والاقتصادية داخل المسكن المشترك.
وتظل قضايا تعنيف الإناث ضمن الأسرة محل نقاش من جهات مختلفة، في ضوء ما تفرضه البيئة الاجتماعية والقانونية من اعتبارات تتصل بطريقة التعامل معها ومعالجتها، وما يرتبط بذلك من مقاربات متعددة تتفاوت في زاوية النظر إليها وآليات مقاربتها على أرض الواقع