الصف الأول بلا خوف.. كيف يهيئ الأهل طفلهم لبداية المدرسة؟
يستعد كثير من الأطفال، مع اقتراب انطلاق العام الدراسي، لخوض تجربتهم الأولى في المدرسة والانتقال إلى الصف الأول، وهي مرحلة لا تقتصر على بدء مسار تعليمي جديد، بل تحمل تغييرات في الروتين اليومي والبيئة المحيطة والعلاقات، وتضع الطفل أمام عالم يختلف عما اعتاده داخل المنزل.
ويستقبل بعض الأطفال المدرسة بالحماس والفضول والرغبة في اكتشافها، بينما يواجه آخرون مشاعر الخوف والقلق وصعوبة الانفصال عن الوالدين، الأمر الذي يجعل التهيئة النفسية والتدرج في الانتقال إلى الحياة المدرسية عاملين مهمين لمساعدة الطفل على التأقلم والشعور بالأمان.
التهيئة تبدأ قبل اليوم الأول
أكد الاختصاصي في الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي ماهر قصّار، في حديث لشبكة شام الإخبارية، أن دخول الصف الأول لا يمثل مجرد انتقال تعليمي بالنسبة إلى الطفل، وإنما هو انتقال نفسي يشبه الفطام، إذ يغادر بيئة مألوفة إلى عالم جديد يحتاج فيه إلى الشعور بالأمان قبل أن يتمكن من الاندماج والتعلم والإنجاز.
وأوضح قصّار أن بإمكان الوالدين استثمار الفترة التي تسبق المدرسة في تهيئة الطفل تدريجياً، من خلال الحديث عنها بصورة إيجابية وواقعية، وشرح تفاصيل بسيطة عما ينتظره، مثل وجود المعلمة والزملاء ووقت الاستراحة والأنشطة، إلى جانب اصطحابه لرؤية المدرسة قبل بدء الدوام إن أمكن، بما يجعل المكان أكثر ألفة بالنسبة إليه.
وشدد على أن الطفل الذي لم يسبق له الالتحاق بالروضة لا يحتاج إلى محاولة تعويض ذلك بصورة مفاجئة عبر تكثيف التدريبات الأكاديمية، بل ينبغي التركيز على تعزيز مهارات الاستقلال اليومية، ومنها ترتيب أغراضه وتناول طعامه واستخدام الحمام وطلب المساعدة والتعبير عن احتياجاته.
الخوف من المدرسة.. كيف يتعامل الأهل معه؟
دعا قصّار إلى التعامل بجدية وهدوء مع مخاوف الطفل دون تضخيمها، ومساعدته على فهم أن الشعور ببعض القلق تجاه تجربة جديدة أمر يمكن التعامل معه، موضحاً أن تعريفه مسبقاً بتفاصيل اليوم الدراسي يسهم في تحويل المدرسة من مكان مجهول إلى تجربة أكثر وضوحاً وتوقعاً.
وأشار إلى إمكانية الاستعانة بقصص تتناول المدرسة، أو تمثيل اليوم الأول مع الطفل بطريقة مبسطة، بما يساعده على تكوين تصور عما سيواجهه، ويخفف حالة القلق المرتبطة بالمجهول.
ونبه إلى أن رفض الطفل الذهاب إلى المدرسة لا يعني بالضرورة أنه عنيد أو مدلل، فقد يكون سلوكه تعبيراً عن الخوف من الانفصال أو افتقاد الشعور بالأمان، ولذلك ينبغي تجنب الصراخ والتهديد والسخرية، والاستماع إليه لمعرفة السبب الحقيقي وراء مخاوفه.
وأكد أهمية بناء روتين ثابت للذهاب إلى المدرسة، واعتماد وداع قصير وواضح ومطمئن بدلاً من إطالة لحظة الانفصال، لافتاً إلى أن استمرار رفض المدرسة بصورة شديدة، أو وصول تأثيره إلى تفاصيل الحياة اليومية للطفل، قد يستدعي الاستعانة باختصاصي نفسي.
الاستقلال مهارة تُبنى بالتدريج
أوضح قصّار أن استقلال الطفل لا يبدأ في صباح أول يوم دراسي، وإنما يحتاج إلى تدريب تدريجي يسبق دخول المدرسة، ويمكن للأهل تركه لفترات قصيرة مع شخص يثقون به، ثم زيادة هذه الفترات تدريجياً مع الالتزام بموعد واضح للعودة.
وأضاف أن تكليف الطفل بمهام تتناسب مع عمره، كارتداء ملابسه وترتيب حقيبته، يساعد على تعزيز ثقته بقدرته على الاعتماد على نفسه، مع استمرار وجود الوالدين بوصفهما مصدراً للأمان والدعم.
وحذر من مجموعة من الممارسات التي قد تزيد مخاوف الطفل، أبرزها تخويفه من المدرسة أو المعلمة، ومقارنته بأطفال آخرين، والسخرية من بكائه، وتصوير الدراسة أمامه على أنها تجربة شديدة الصعوبة.
وأشار إلى أن المبالغة في حماية الطفل وإظهار الوالدين قلقهما الشديد تجاه ذهابه إلى المدرسة قد تنقل إليه رسالة غير مباشرة بأن المكان الذي يتجه إليه غير آمن، كما أن إجباره على الاستقلال بصورة مفاجئة قد يجعل الانتقال أكثر صعوبة، لأن بناء الاستقلال يحتاج إلى التدرج والتكرار والشعور بالأمان.
المدرسة مساحة للاكتشاف لا للدرجات فقط
شدد قصّار على أهمية تقديم المدرسة للطفل باعتبارها مساحة للاكتشاف والتجربة، وليس مكاناً للواجبات والدرجات فقط، من خلال تشجيعه على تكوين صداقات جديدة والاستمتاع بالرسم والقصص والألعاب والأنشطة المختلفة.
ودعا إلى إشراك الطفل في الاستعدادات الخاصة بالمدرسة، ومنها اختيار بعض مستلزماته وتجهيز حقيبته، بما يمنحه شعوراً بالمشاركة ويزيد حماسه تجاه المرحلة الجديدة.
وأكد أن الأهم في البدايات هو عدم ربط قيمة الطفل الشخصية بمستوى أدائه الدراسي، وأن يشعر بأن تقدير أسرته له لا يرتبط بأن يكون الأفضل بين زملائه، وإنما بمحاولته وتعلمه وتقدمه التدريجي.
ونوه إلى أن دور الوالدين قبل دخول الصف الأول لا يقتصر على تعليم الطفل القراءة والكتابة مبكراً، وإنما يشمل أيضاً تعزيز قدرته على التعامل مع العالم من حوله، ومنحه الدعم العاطفي الذي يساعده على مواجهة التجارب الجديدة بثقة أكبر.
بداية تختلف من طفل إلى آخر
تختلف استجابة الأطفال لأول تجربة مدرسية تبعاً لشخصياتهم وتجاربهم السابقة ومدى استعدادهم للانفصال عن البيئة المنزلية، ولذلك لا توجد طريقة واحدة تنطبق على الجميع، فيما يبقى التدرج والروتين والشعور بالأمان من أبرز العوامل المساعدة على الانتقال إلى المرحلة الجديدة.
وتبقى مهمة الأسرة في هذه المرحلة قائمة على مرافقة الطفل في خطواته الأولى دون زيادة مخاوفه أو تحميله توقعات تفوق قدرته، ومنحه مساحة كافية للتعبير عن مشاعره واحتياجاته، بما يساعد على أن يكون دخوله إلى الصف الأول بدايةً أكثر هدوءاً واستقراراً لعلاقته بالمدرسة والتعلم.