«قولوا لمن بقي في إدلب سنأتي إليكم».. من خطاب التحريض إلى السجن المؤبد
«قولوا لمن بقي في إدلب سنأتي إليكم».. من خطاب التحريض إلى السجن المؤبد
● محليات ٢٤ أغسطس ٢٠٢٦

«قولوا لمن بقي في إدلب سنأتي إليكم».. من خطاب التحريض إلى السجن المؤبد

قال أحمد بدر الدين حسون، مفتي نظام الأسد البائد، في واحدة من العبارات التي بقيت حاضرة في ذاكرة السوريين: «قولوا لمن بقي في إدلب سنأتي إليكم»، يومها لم تكن العبارة بالنسبة إلى كثير من السوريين مجرد موقف سياسي أو تصريح عابر، بل جاءت في سياق سنوات كانت فيها مدن وبلدات سورية تتعرض للقصف والتهجير، وكان الخطاب الرسمي يرافق العمليات العسكرية ويمنحها غطاءً سياسياً ودينياً.

وأصدرت محكمة الجنايات الرابعة بدمشق، اليوم، حكماً بالسجن المؤبد مدى الحياة بحق حسون، بعد إدانته بجناية الاعتداء الذي يسبب الاقتتال الطائفي، وجرائم التحريض على العنف وتبرير القتل، لتضع هذه المحاكمة واحداً من أبرز الوجوه الدينية التي ارتبطت بنظام الأسد البائد أمام المساءلة القضائية.

حين يتحول المنبر إلى جزء من آلة السلطة

لم تكن خطورة الدور الذي لعبه حسون مرتبطة بمنصبه الديني وحده، بل بما مثله ذلك المنصب من قدرة على التأثير في الجمهور، فالكلمة التي تصدر عن رجل دين يتولى منصب مفتي الجمهورية لا تحمل الوزن ذاته الذي يحمله خطاب سياسي عادي، ولا سيما عندما تكون البلاد غارقة في القتل والقصف والاعتقالات والتهجير.

وكشف القاضي فخر الدين العريان، خلال إعلان الحكم، أن المعطيات تشير إلى توظيف المؤسسة الدينية الرسمية، وعلى رأسها دار الإفتاء، خلال عهد نظام الأسد البائد، لمنح غطاء ديني للعمليات العسكرية والأمنية وتبريرها أمام الرأي العام.

وأكدت المحكمة أن المؤسسة الدينية الرسمية بررت استخدام البراميل المتفجرة التي استهدفت مناطق مدنية وأحدثت دماراً واسعاً، كما أشارت إلى ثبوت تقديم حسون دعماً مالياً بصورة دورية لقيادة وعناصر "لواء القدس" المشارك في العمليات العسكرية، وانتهت إلى ثبوت تورطه في جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب.

«سنأتي إليكم».. عبارة عادت إلى الواجهة

استعاد سوريون، مع صدور الحكم، تصريحات حسون السابقة، وفي مقدمتها عبارته الموجهة إلى من بقي في إدلب: «سنأتي إليكم»، لكن المشهد اليوم انقلب بصورة كاملة، فالرجل الذي تحدث ذات يوم من موقع السلطة، محاطاً بمنظومة أمنية وعسكرية حكمت سوريا لعقود، وقف هذه المرة داخل قفص الاتهام ليستمع إلى حكم قضائي يقضي بسجنه المؤبد مدى الحياة.

المسؤولية لا يحملها السلاح وحده

يفتح الحكم أيضاً باباً مهماً في النقاش السوري حول مفهوم المسؤولية، إذ إن الجرائم الكبرى لا تُرتكب دائماً باليد التي تضغط على الزناد أو تلقي البرميل المتفجر وحدها، بل يمكن أن تشارك في صناعة البيئة التي تسمح بها أصوات تحرض عليها، أو تمنحها الشرعية، أو تحول الضحية في الخطاب العام إلى هدف يمكن تبرير قتله.

وتبرز هنا أهمية مساءلة كل من أسهم في منظومة الانتهاكات وفق دوره ومسؤوليته وما تثبته الأدلة بحقه، دون مساواة تلقائية بين المسؤوليات، فدور الآمر والمنفذ والمحرض والممول والمبرر يختلف من حالة إلى أخرى، ويبقى القضاء الجهة التي تحدد المسؤولية الفردية والعقوبة وفق الأدلة والقانون.

من زمن الحصانة إلى زمن المساءلة

يمثل الحكم على حسون، في بعده الأوسع، اختباراً لمسار العدالة بعد سقوط نظام الأسد البائد، فالسوريون الذين عاشوا عقوداً كانت فيها شخصيات السلطة تبدو بعيدة عن المساءلة ينتظرون اليوم ألا تتحول العدالة إلى شعار، وإنما إلى مسار قضائي مستمر يشمل كل من تثبت مسؤوليته عن الجرائم والانتهاكات.

ويكتسب هذا المسار قيمته عندما يستند إلى محاكمات وأدلة وحقوق دفاع وإجراءات قضائية واضحة، لأن العدالة التي يسعى إليها السوريون لا ينبغي أن تكون انتقاماً من مرحلة سابقة، بل تأسيساً لدولة يكون فيها القانون أعلى من المنصب والنفوذ والانتماء.

الكلمة التي لم تُنسَ

بقيت عبارة «سنأتي إليكم» سنوات في ذاكرة كثير من السوريين باعتبارها جزءاً من خطاب مرحلة ثقيلة، لكن صاحبها يقف اليوم أمام نتيجة مختلفة تماماً عما كانت توحي به لغة القوة آنذاك.

وأعلن القضاء حكمه بالسجن المؤبد، وأمر بالحجز على أموال حسون المنقولة وغير المنقولة ومصادرتها لصالح الخزانة العامة، في مشهد يحمل رسالة تتجاوز الحكم على رجل واحد، مفادها أن سقوط السلطة التي وفرت الحماية لا يعني سقوط المسؤولية معها، وأن الكلمات والمواقف والأفعال التي صدرت في زمن الإفلات من العقاب يمكن أن تعود لاحقاً إلى قاعات المحاكم.

وقال حسون يوماً: «قولوا لمن بقي في إدلب سنأتي إليكم»، وبعد سنوات، لم يعد السؤال عمّن سيأتي إلى إدلب، بل عن أولئك الذين ظنوا أن مواقعهم ونفوذهم سيبقيانهم إلى الأبد بعيداً عن قفص الاتهام.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ