الشائعات وخطاب التحريض في سوريا بين التداول الرقمي والمسؤولية القانونية
الشائعات وخطاب التحريض في سوريا بين التداول الرقمي والمسؤولية القانونية
● مجتمع ١٤ مايو ٢٠٢٦

الشائعات وخطاب التحريض في سوريا بين التداول الرقمي والمسؤولية القانونية

تشهد بعض منصات التواصل الاجتماعي في سوريا تداولاً من قبل بعض الأشخاص والصفحات لمعلومات غير دقيقة وشائعات، إلى جانب محاولات للتجييش والتحريض ونشر خطاب الكراهية، من خلال استغلال بعض الأحداث وتوظيفها لإثارة الفتن وتعزيز الانقسام والخلافات بين فئات المجتمع، إضافة إلى إعادة نشر محتويات تسهم في زيادة التوتر وإثارة الجدل في الرأي العام.

وقد أدت هذه الممارسات إلى ارتفاع مستوى التباين والاحتقان حول عدد من القضايا، وتسريع تداول الأخبار والمعلومات قبل التحقق من صحتها أو مصادرها، كما ساهمت في التأثير على مستوى الثقة بالمحتوى المتداول عبر منصات التواصل، وأبرزت الحاجة إلى مزيد من الوعي والتدقيق قبل إعادة النشر أو التفاعل مع ما يتم تداوله.

وامتدت آثار هذه الظاهرة في بعض الحالات إلى خلق حالة من القلق والارتباك لدى المتلقين نتيجة تضارب المعلومات وسرعة انتشار الشائعات، إضافة إلى المساهمة في إثارة البلبلة وتعميق الخلافات حول عدد من القضايا المتداولة، ما جعل التعامل مع ما يُنشر عبر منصات التواصل يتسم لدى شريحة من المستخدمين بالحذر والتردد في التصديق أو المشاركة.

القانون السوري يجرّم الشائعات وخطاب الكراهية ويحمّل مسؤولية إعادة النشر

قال المحامي باسل موسى، أستاذ مسجل لدى نقابة المحامين في دمشق، ويعمل في مجال القضايا الجزائية والجرائم المعلوماتية، مع اهتمام خاص بنشر الوعي القانوني الرقمي وتعزيز الثقافة القانونية المرتبطة باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الإلكترونية، في حديث لشبكة شام الإخبارية إن العمل في هذا المجال ينسجم مع التطور التشريعي والتقني الحديث، ويهدف إلى رفع مستوى الوعي القانوني في البيئة الرقمية.

وأشار إلى أن القانون السوري يتعامل بجدية وحزم مع تداول الشائعات والأخبار الكاذبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، نظراً لما قد تسببه من اضطراب مجتمعي أو اقتصادي أو أمني، موضحاً أن المادة (28) من قانون الجرائم المعلوماتية جرّمت نشر الأخبار الكاذبة التي تمس هيبة الدولة أو تنال من الوحدة الوطنية، فيما جرّمت المادة (29) نشر الإشاعات التي من شأنها الإضرار بالمكانة المالية للدولة أو زعزعة الثقة بالعملة الوطنية وأسعار الصرف.

وبيّن أن المسؤولية القانونية لا تقتصر على كاتب المحتوى فقط، بل تمتد إلى من يقوم بإعادة النشر أو المشاركة، حيث نصّت المادة (35) على أن إعادة النشر تُعد بحكم النشر الأصلي من حيث التجريم والعقاب، ما يجعل المشاركة الإلكترونية سبباً في تحمّل المسؤولية القانونية حتى دون إنتاج المحتوى.

وأضاف أن العقوبات المنصوص عليها في القانون رقم /20/ لعام 2022 جاءت بصيغة رادعة، وتشمل الحبس والغرامات المالية، موضحاً أن جريمة النيل من هيبة الدولة وفق المادة (28) تصل عقوبتها إلى السجن من ثلاث إلى خمس سنوات، وغرامة من خمسة إلى عشرة ملايين ليرة سورية، بينما تصل عقوبة النيل من مكانة الدولة المالية وفق المادة (29) إلى السجن من أربع إلى خمس عشرة سنة مع الغرامة ذاتها.

وتابع أن الذم الإلكتروني العلني وفق المادة (24) يعاقب عليه بالحبس من شهر إلى ثلاثة أشهر وغرامة من 300 ألف إلى 500 ألف ليرة سورية، في حين أن القدح الإلكتروني العلني وفق المادة (25) يعاقب عليه بالحبس من عشرة أيام إلى شهرين وغرامة من 200 ألف إلى 300 ألف ليرة سورية.

ولفت في تصريح خاص لـ شام إلى أن القانون تعامل بوضوح مع خطاب الكراهية والتحريض الإلكتروني، حيث جرّمت المادة (31) كل محتوى يتضمن خطاب كراهية أو تحريضاً على العنف أو إساءة للأديان والمقدسات أو إثارة النعرات والتمييز، محدداً عقوبتها بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات، إضافة إلى غرامة مالية تتراوح بين ثلاثة وستة ملايين ليرة سورية.

وذكر أن حرية التعبير حق مكفول دستورياً، لكنها ليست مطلقة، موضحاً أن القانون يضع حدوداً عندما تتحول إلى إساءة أو تحريض أو نشر معلومات كاذبة تمس الأفراد أو المجتمع أو الدولة، مشيراً إلى أن المادة (34) اعتبرت أن النشر عبر الشبكة يُعد نشراً علنياً، وبالتالي يخرج المحتوى المخالف من إطار حرية التعبير إلى إطار المسؤولية الجزائية.

وأوضح أن الإجراءات القانونية تبدأ عبر الضابطة العدلية المختصة بمكافحة الجرائم المعلوماتية التابعة لوزارة الداخلية، حيث يتم جمع الأدلة الرقمية واستقصاء الفاعلين بعد الحصول على إذن من النيابة العامة، ثم تُحال القضية إلى القضاء المختص، لافتاً إلى أن المادة (41) من القانون منحت الدليل الرقمي حجية قانونية كاملة تعادل حجية الأدلة الورقية، بشرط سلامة النظام وعدم التلاعب بالمحتوى أو تغييره 

وأكد على أن الوعي القانوني في العصر الرقمي ضرورة يومية، وأن التريث قبل النشر لا يهدف فقط لتفادي العقوبة، بل لحماية الأفراد والمجتمع، مشيراً إلى أن الغاية من قانون الجرائم المعلوماتية هي تنظيم البيئة الرقمية وحماية الإنسان من التشهير والابتزاز والفوضى الإلكترونية.

في المحصلة يشكل الفضاء الرقمي مساحة لتبادل المعلومات والتفاعل بين المستخدمين، حيث تتنوع طبيعة المحتوى المتداول وتختلف سرعة انتشاره من حالة إلى أخرى، ويخضع استخدام هذا الفضاء لإطار قانوني يحدد الأفعال المرتبطة بالنشر وإعادة النشر، ويبين المسؤوليات المترتبة عليها وفقاً للأنظمة المعمول بها، بما يشمل مختلف أشكال المحتوى الإلكتروني.

الكاتب: فريق العمل - سيرين المصطفى
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ