السليقة والشرية في الريف السوري: عادات موروثة ترافق موسم حصاد القمح
يواصل المزارعون في مختلف المناطق السورية خلال الفترة الحالية حصاد محصول القمح، وسط أجواء موسمية تتخللها عادات وطقوس شعبية متوارثة في عدد من المناطق الريفية، من أبرزها “السليقة” و“الشرية”، المرتبطتان بمراحل العمل خلال موسم الحصاد في بعض القرى.
تُعدّ “الشرية” من العادات المرتبطة بمحصول القمح في بعض المناطق الريفية، حيث تُقدَّم للأطفال كمية من القمح كمكافأة بعد انتهاء جمعه وتعبئته. وعقب وصول الجرارات المحمّلة بالقمح إلى ساحات المنازل، يُفرغ المحصول على شكل أكوام، ليباشر أصحاب المحاصيل تعبئته داخل الأكياس المخصصة، بمساعدة الأطفال من أفراد العائلة أو من الأقارب والجيران، ومع انتهاء العمل، يحصل الأطفال على حصتهم المعروفة بـ“الشرية”، والتي يقومون ببيعها لاحقاً، لتأمين احتياجاتهم الأساسية.
ينظر أصحاب المحاصيل في بعض المناطق إلى “الشرية” على أنها مبادرة إيجابية تهدف إلى إسعاد الأطفال ومكافأتهم على مشاركتهم في أعمال جمع القمح وتعبئته، كما يعتقدون أنها تحمل جانباً من البركة والرضا على الرزق، ويحرصون من خلالها على تعزيز روح التعاون داخل العائلة والمحيط الاجتماعي، في أجواء يغلب عليها الفرح والتشارك خلال موسم الحصاد.
إلى جانب “الشرية”، تُعدّ “السليقة” من أبرز الطقوس المرتبطة بحصاد القمح في بعض المناطق الريفية، حيث تقوم كل عائلة بتخصيص جزء من المحصول لسلقه وتجهيزه لإنتاج البرغل، الذي يُخزَّن كمؤونة سنوية بنوعيه الخشن والناعم.
وتبدأ العملية بقيام النساء بفرز حبات القمح وتنقيتها من الأتربة والحصى والشوائب، ثم يتم غسلها عدة مرات بالماء النظيف في عملية تُعرف باللهجة المحلية باسم “التصويل”، بعد ذلك يُنقل القمح إلى “الحلّة”، وهي عبارة عن وعاء كبير جداً، موجود في أغلب الأحياء بالريف، يتبادل استخدامه الجيران فيما بينهم عند الحاجة، ثم يُضاف إليه الماء، وتُشعل النار تحته باستخدام الحطب أو أي مواد أخرى قابلة للاشتعال.
يُواصل التحريك خلال مرحلة الغليان باستخدام أدوات خشبية أو معدنية كبيرة، وذلك لمنع التصاق حبات القمح ببعضها. وتستمر هذه العملية إلى أن يصل القمح إلى درجة النضج المطلوبة.
بعدها يساهم شباب وشابات الحي في مساعدة العائلات التي تقوم بتحضير “السليقة”، من خلال تفريغ القمح المسلوق من الوعاء باستخدام الأواني المتاحة، ثم نقله إلى أسطح المنازل النظيفة، وبعد ذلك يتم فرشه على شكل طبقات رقيقة ليُترك تحت أشعة الشمس حتى يجف بشكل كامل.
كما يتم توزيع أطباق “السليقة” على الأشخاص المحيطين من الجيران والأقارب خلال عملية التحضير، حيث تُقدَّم كوجبة تقليدية تحظى بإقبال واسع، ويصفها كثيرون بأنها من الأطعمة الشهية المرتبطة بأجواء العمل في موسم الحصاد، ويُطلق عليها البعض تعبير “بسامير الركب” في إشارة إلى أنها وجبة بسيطة لكنها مشبعة وذات قيمة غذائية.
وبعد أن يجف القمح تماماً من الماء، يتم نقله إلى المطحنة أو ما يُعرف بـ“الجاروشة” حيث يُطحن ويُحوَّل إلى برغل، ثم تتولى النساء عملية فرز الناتج باستخدام غرابيل خاصة، بهدف فصل البرغل الخشن والٱخر الناعم.
يعكس الحفاظ على عادات “الشرية” و“السليقة” في بعض المجتمعات الريفية السورية جملة من الدلالات المرتبطة بموسم حصاد القمح، أبرزها روح التعاون بين أفراد العائلة والجيران أثناء جمع المحصول وتجهيزه، من خلال المشاركة في إنجاز الأعمال بشكل جماعي يخفف من عبء الجهد خلال فترة الحصاد.
كما يظهر في هذه الممارسات حضور قيم اجتماعية مثل الكرم، ويتجلى ذلك في تقديم أطباق “السليقة” للأشخاص المحيطين خلال العمل، إلى جانب الجانب المتعلق بإسعاد الأطفال عبر منحهم جزءاً من المحصول كمكافأة بعد مشاركتهم في الحصاد، بما يعزز أجواء الألفة والتكافل داخل الحي في هذا الموسم.
وكانت وزارة الزراعة السورية قد توقعت أن يشهد إنتاج القمح في البلاد ارتفاعاً ملحوظاً خلال الموسم الحالي، ليصل إلى ما بين 2.3 و2.5 مليون طن، مقارنة بنحو 900 ألف طن في الموسم الماضي، وذلك في ظل تحسن الظروف المناخية وعودة مناطق زراعية رئيسية في شمال وشمال شرق البلاد إلى سيطرة الدولة.
يُعدّ القمح من المحاصيل الغذائية الأساسية، لاحتوائه على الكربوهيدرات والبروتينات والألياف وعدد من الفيتامينات والمعادن، خاصة في حال استهلاكه بشكل كامل. وتُسهم هذه المكونات في تزويد الجسم بالطاقة ودعم بعض وظائفه الحيوية، إلى جانب دوره في تحسين الهضم عند اعتماده ضمن نظام غذائي متوازن.