الذكاء العاطفي في بيئة العمل… مفتاح التوازن المهني ومواجهة الضغوط اليومية
الذكاء العاطفي في بيئة العمل… مفتاح التوازن المهني ومواجهة الضغوط اليومية
● مجتمع ٦ أغسطس ٢٠٢٦

الذكاء العاطفي في بيئة العمل… مفتاح التوازن المهني ومواجهة الضغوط اليومية

مع تزايد الضغوط اليومية داخل بيئات العمل، لم يعد التعامل مع التحديات المهنية داخل المؤسسة مسألة مهارات تقنية أو خبرة فقط، بل أصبح يرتبط بقدرة الموظف على إدارة مشاعره وفهم سلوك من حوله، والتعامل بمرونة مع المواقف المختلفة، بما ينعكس على جودة الأداء واستقرار العلاقات داخل مكان العمل.

مهارات أساسية لتعزيز التوازن ومواجهة ضغوط العمل

قالت الأخصائية النفسية راما كريّم في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الذكاء العاطفي في بيئة العمل بات عنصراً أساسياً لا يقل أهمية عن الذكاء العقلي، موضحة أنه في وقتنا الحالي لم يعد الذكاء العقلي وحده كافياً للنجاح، وإنما أصبح النجاح مقترناً بالذكاء العاطفي والعقلي على حد سواء، إذ يمثل الذكاء العاطفي قدرة الموظف على رصد مشاعره وفهمها وإدارتها بذكاء، إلى جانب إمكاناته في قراءة انفعالات الآخرين وبناء علاقات مهنية متوازنة.

وأضافت أن الذكاء العاطفي في مواجهة الضغوط اليومية يمثل ما يشبه “ممتص الصدمات النفسية”، إذ يحمي الموظف من الانسياق نحو الاحتراق الوظيفي ويمنحه القدرة على فصل التحديات المهنية عن تقديره الذاتي، ما يحول ردود الفعل العاطفية العشوائية إلى استجابات عقلانية مدروسة ومثمرة.

وأشارت إلى أن هناك مجموعة من المهارات التي تساعد في إدارة المشاعر ضمن البيئات الضاغطة في العمل، أولها الوعي الذاتي الانفعالي، أي قدرة الموظف على تسمية مشاعره فور ولادتها مثل إدراك أنه يشعر بالقلق وليس الغضب، إضافة إلى مهارة التنظيم الذاتي التي تتمثل في ضبط الميول الانفعالية والتمهل قبل اتخاذ أي قرار أو رد فعل تحت تأثير الضغط.

ونوّهت كريّم إلى أهمية المرونة النفسية كقدرة على التكيف السريع مع المتغيرات والمستجدات المهنية دون الشعور بتهديد شخصي، إلى جانب التعاطف المهني الذي يتيح رؤية الموقف من منظور الطرف الآخر، ما يمنع شخصنة الأمور.

وبيّنت أن مفتاح التعامل مع الزملاء أو المدراء الذين يتسببون بالتوتر يكمن في الإدارة الذاتية وليس في محاولة تغييرهم، موضحة أن ذلك يعتمد على استراتيجيات واضحة، أبرزها رسم الحدود النفسية من خلال إدراك أن سلوك المدير غير المحبب أو توتر الزميل هو انعكاس لضغوطه الداخلية وليس تقييمًا شخصياً.

ولفتت إلى أهمية استخدام لغة “أنا” الحازمة، عبر استبدال صيغ الاتهام بصيغ تعبيرية مهنية، فبدلاً من قول “أنت تسبب لي التوتر بطريقتك”، يمكن القول “أنا أحتاج إلى مساحة من الهدوء لأتمكن من إنجاز المهمة بدقة”، إضافة إلى اعتماد قاعدة التوقيت الذكي، من خلال تجنب مناقشة المواضيع الحساسة في أوقات الذروة أو عندما تكون الشحنات العاطفية في أعلى مستوياتها.

وذكرت أن من الأخطاء الشائعة عند محاولة التحكم بالمشاعر في العمل الكبت العاطفي، الذي يتمثل في التظاهر بالهدوء التام مع غليان داخلي، وهو فخ قد يؤدي لاحقًا إلى انفجار مهني مدمر أو إلى أعراض جسدية سيكوسوماتية مثل القولون العصبي والصداع النصفي، إلى جانب ما يُعرف بالإيجابية السامة التي تقوم على إجبار النفس على التفاؤل المزيف وإنكار المشاعر السلبية الطبيعية كالإحباط أو التعب.

استراتيجيات تحافظ على المهنية وتدعم بيئة آمنة

وتحدثت راما كريّم في تصريح خاص لـ شام عن التماهي مع الوظيفة كخطأ آخر، يتمثل في ربط الإنسان قيمته الذاتية بمدى رضا مديره عنه أو بإنتاجيته اليومية فقط، وأوضحت أن الاحترافية لا تعني التحول إلى روبوتات عديمة المشاعر، بل يمكن تحقيق التوازن بين التعبير عن المشاعر والحفاظ على المهنية من خلال التعبير اللفظي الذكي، كأن يقول الموظف “أنا أشعر بخيبة أمل من مخرجات المشروع السابق وأطمح للأفضل”، بدلاً من الصراخ أو البكاء في بيئة العمل.

وأكدت أهمية تفعيل قنوات التفريغ الخارجي عبر الكتابة الحرة بعد الدوام أو الحديث مع شخص مقرب خارج بيئة العمل، إلى جانب اعتماد قاعدة الـ24 ساعة في الرد على الرسائل الإلكترونية المستفزة، بحيث لا يتم الرد فوراً بل تُترك مسودة الرد ليوم كامل حتى يهدأ الجهاز العصبي وتتم مراجعتها بعقلانية، وشددت على ضرورة تطبيق تقنيات عملية تعزز الذكاء العاطفي ضمن فرق العمل، تبدأ بفصل الأداء عن الشخص عبر تدريب الفريق على نقد الفكرة أو المنتج دون نقد الإنسان الذي يقف خلفه.

وأفادت بأن الإنصات المتمركز حول الفهم يعد من الأدوات الأساسية، من خلال الاستماع للزميل بهدف استيعاب موقفه كاملاً، وليس بهدف تجهيز رد دفاعي سريع، وأكدت أهمية الأمان النفسي داخل بيئة العمل، عبر تشجيع القادة على خلق بيئة تسمح للموظف بالاعتراف بالخطأ أو طلب المساعدة دون الخوف من العقاب أو السخرية.

وفي سياق متصل، أكد اختصاصيون نفسيون أن الذكاء العاطفي في بيئة العمل لا يقتصر على إدارة المشاعر الفردية، بل يمتد ليشمل فهم ديناميكيات الفريق والتفاعل معها بمرونة، مشيرين إلى أن القدرة على قراءة المناخ العاطفي العام تساعد الموظف على اتخاذ قرارات أكثر اتزاناً، وتقلّل من احتمالات سوء الفهم بين الزملاء نتيجة اختلاف أساليب التواصل.

وأضافوا أن هذا النوع من الوعي يسهم بشكل مباشر في إدارة النزاعات داخل المؤسسات، إذ يساعد على احتواء التوتر والتركيز على جوهر المشكلة بدل الانجرار وراء ردود الفعل الانفعالية، كما أن القادة الذين يمتلكون مستوى مرتفعاً منه ينجحون في ترسيخ بيئة قائمة على الثقة والانفتاح، ما ينعكس إيجاباً على الأداء الجماعي والاستقرار المهني.

ترتبط مهارات الذكاء العاطفي في بيئة العمل بجملة من السلوكيات العملية، مثل الوعي بالمشاعر وتنظيمها قبل الاستجابة، واستخدام أساليب تواصل تقلّل من التوتر كالتعبير المهني الواضح، إلى جانب المرونة النفسية والتعاطف في التعامل مع الآخرين، كما تسهم هذه المهارات في الحد من سوء الفهم داخل الفرق، وتخفيف آثار الضغوط المستمرة، ما يدعم استقرار الأداء المهني.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ