من قاعدة للحرب والحصار إلى بوابة للحياة.. حكاية مطار دير الزور خلال 14 عاماً
من قاعدة للحرب والحصار إلى بوابة للحياة.. حكاية مطار دير الزور خلال 14 عاماً
● محليات ٥ أغسطس ٢٠٢٦

من قاعدة للحرب والحصار إلى بوابة للحياة.. حكاية مطار دير الزور خلال 14 عاماً

شهد مطار دير الزور تحولاً جذرياً خلال سنوات الثورة والحرب في سوريا، إذ انتقل من منشأة مخصصة لحركة الطيران المدني إلى واحدة من أبرز القواعد العسكرية في المنطقة الشرقية، قبل أن يستعيد اليوم وظيفته الأساسية باستقبال الرحلات الداخلية والدولية، منهياً مرحلة امتدت قرابة 14 عاماً ارتبط خلالها اسمه بالمعارك والحصار والقصف.

تراجع الحركة المدنية
حافظ نظام الأسد البائد على سيطرته على المطار مع اندلاع الثورة السورية عام 2011 وتصاعد المواجهات في محافظة دير الزور، بينما بدأت الحركة الجوية المدنية بالتراجع تدريجياً مع اتساع رقعة العمليات العسكرية.

بحلول عام 2012 توقفت الرحلات المدنية بشكل كامل بعد وصول المعارك إلى المدينة وخروج مساحات واسعة من المحافظة عن سيطرة النظام، ليتحول المطار إلى قاعدة عسكرية رئيسية في شرق سوريا، كما وثقت منظمة "هيومن رايتس ووتش" استخدام قوات النظام للطائرات الحربية والمروحيات في تنفيذ غارات على مناطق خاضعة لسيطرة المعارضة منذ أواخر تموز 2012، في إطار تصاعد الاعتماد على القوة الجوية.

أهمية استراتيجية متزايدة
اكتسب المطار أهمية عسكرية متنامية خلال عامي 2012 و2013 مع خسارة النظام البائد مناطق واسعة في ريف دير الزور وأجزاء من المدينة، إذ أصبح أحد أهم معاقل وجوده في المحافظة إلى جانب عدد من المواقع العسكرية الأخرى، كما عزز موقعه الجغرافي القريب من خطوط الاشتباك وعلى الطريق الرابط بين وسط سوريا والحدود العراقية من قيمته العسكرية واللوجستية.

حصار "داعش" للمطار
دخل المطار مرحلة جديدة عام 2014 مع تمدد تنظيم "داعش" وسيطرته على معظم أنحاء محافظة دير الزور، ليصبح أحد أبرز أهداف التنظيم العسكرية، وشهد كانون الأول من العام ذاته هجوماً واسعاً تمكن خلاله مقاتلو التنظيم من اختراق بعض المواقع والوصول إلى أجزاء من القاعدة ومحيطها، إلا أن قوات النظام حالت دون سقوطه بالكامل، لتبدأ بعدها سنوات من الحصار والمعارك التي دارت على مسافات قريبة من مدرج المطار وأسواره.

هجمات متواصلة وتعزيز الدعم
واصل تنظيم "داعش" محاولاته للسيطرة على المطار خلال عام 2015، مستهدفاً آخر القواعد العسكرية الكبرى التي بقيت بيد النظام البائد في المنطقة، بالتزامن مع انقطاع طرق الإمداد البرية، الأمر الذي جعل النقل الجوي الوسيلة الرئيسية لدعم القوات المحاصرة، قبل أن يسهم التدخل العسكري الروسي الذي بدأ في أيلول 2015 في تعزيز الغطاء الجوي المقدم لقوات النظام.

جبل الثردة يغيّر موازين المعركة
تعرضت مواقع قوات النظام البائد في منطقة جبل الثردة قرب المطار في 17 أيلول 2016 لغارات نفذها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، الذي أعلن لاحقاً أن الاستهداف جاء نتيجة اعتقاد خاطئ بأن المواقع تعود لتنظيم "داعش"، ما أتاح للتنظيم تحسين مواقعه العسكرية حول المطار مستفيداً من الأهمية الاستراتيجية للمرتفعات المطلة على المنطقة.

المطار على حافة السقوط
بلغت المعارك ذروتها في كانون الثاني 2017 عندما شن تنظيم "داعش" هجوماً واسعاً على مواقع النظام في دير الزور، وتمكن من قطع الطريق الواصل بين المطار والأحياء الخاضعة لسيطرة النظام داخل المدينة، ما أدى إلى عزل القوات الموجودة في القاعدة الجوية عن بقية الجيب المحاصر، وأصبح المطار حينها تحت حصار شبه كامل وسط محاولات متكررة لاقتحامه، فيما تحدثت تقارير عن مشاركة وحدات من الحرس الجمهوري في الدفاع عنه.

فك الحصار عن المطار
تغيرت موازين المعركة خلال النصف الثاني من عام 2017 مع تقدم قوات النظام وحلفائها عبر البادية السورية بدعم جوي روسي، وتمكنت في 5 أيلول من فك الحصار عن مناطق سيطرتها داخل مدينة دير الزور، قبل أن تصل في 9 أيلول إلى المطار وتلتقي بالقوات الموجودة داخله، لتنتهي بذلك سنوات حصاره التي استمرت منذ عام 2014.

مرحلة ما بعد "داعش"
انتهى التهديد المباشر للمطار بعد تراجع تنظيم "داعش" وخسارته مناطق سيطرته في المحافظة، إلا أن المطار بقي خلال الفترة الممتدة بين عامي 2018 و2024 مرتبطاً بالوجود العسكري للنظام البائد وحلفائه، وغاب عن شبكة النقل الجوي المدني، في وقت شهدت فيه محافظة دير الزور انقساماً في مناطق النفوذ بين قوات النظام وروسيا والميليشيات المدعومة من إيران غرب الفرات، مقابل انتشار قوات التحالف الدولي و"قسد" شرق النهر.

انتهاء الحقبة العسكرية
طوى سقوط نظام الأسد البائد في كانون الأول 2024 المرحلة العسكرية للمطار، بعدما انسحبت قواته وحلفاؤه من دير الزور، وشهدت المنشأة تغيرات متسارعة في السيطرة، إذ دخلتها "قسد" لفترة وجيزة عقب الانسحاب واستولت على أسلحة وذخائر تُركت داخلها، قبل انسحابها إلى شرق الفرات، لتدخل بعدها فصائل المعارضة المدينة والمطار، منهية سنوات كان خلالها المطار إحدى أبرز القواعد العسكرية التي اعتمد عليها النظام في شرق البلاد.

إعادة التأهيل والتجهيز
باشرت السلطات السورية الجديدة العمل على إعادة المطار إلى وظيفته المدنية، عبر مشروع نفذته الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي لتأهيل البنية التحتية والمنشآت والتجهيزات، وتسارعت الأعمال خلال عام 2026، وأعلن رئيس الهيئة عمر الحصري في حزيران وصول المشروع إلى مراحله الأخيرة، قبل أن تؤكد إدارة المطار في 15 تموز إنجاز الأعمال الأساسية وتحقيق الجاهزية التشغيلية لاستقبال الرحلات.

عودة الرحلات المدنية
استقبل مطار دير الزور، يوم الأربعاء 5 آب 2026، أول رحلة داخلية منتظمة للخطوط الجوية السورية قادمة من مطار دمشق الدولي، في خطوة أنهت أطول فترة توقف في تاريخ المطار، كما استقبل في اليوم ذاته أول رحلة دولية منتظمة قادمة من الكويت، لتعود المحافظة إلى شبكة النقل الجوي بعد انقطاع استمر نحو 14 عاماً.

إعادة افتتاح مطار دير الزور الدولي.. خطوة لتعزيز التنمية وربط شرق سوريا بشبكة النقل الجوي

في 5 آب 2026، افتتحت الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي، مطار دير الزور الدولي بعد سنوات من التوقف، إيذاناً بعودة أحد أهم المرافق الحيوية في شرق سوريا إلى الخدمة، وذلك بحضور وفد حكومي ضم وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني، ووزراء العدل، والصحة، والاتصالات وتقانة المعلومات، والإعلام، والمالية، ورئيس الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية، إلى جانب عدد من المسؤولين، في خطوة تستهدف تعزيز الربط الجوي ودعم مسار التنمية في المحافظة.

عودة المطار إلى الخدمة
أكد رئيس الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي عمر الحصري أن إعادة افتتاح مطار دير الزور تمثل عودة أحد أبرز المرافق الحيوية إلى العمل، بما يسهم في تعزيز الربط الجوي بين المحافظة وبقية المحافظات، ودعم حركة النقل والتنمية في المنطقة، مشيراً إلى أن مشروع إعادة التأهيل أُنجز خلال فترة قياسية وبالتعاون مع مختلف الجهات المعنية، مع الالتزام بأعلى معايير السلامة والكفاءة.

رافعة للتنمية في دير الزور
أوضح محافظ دير الزور زياد العايش أن عودة المطار إلى الخدمة تشكل رافعة مهمة لخطط التنمية في المحافظة، مؤكداً أن توسيع نشاطه الدولي سيسهم في تعزيز التواصل بين أبناء دير الزور داخل البلاد وخارجها، إضافة إلى دعم مختلف القطاعات الاقتصادية والخدمية، بما ينعكس إيجاباً على مسيرة التعافي وإعادة الإعمار.

الشيباني: إنهاء سنوات التهميش
من جهته، شدد وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني على أن محافظة دير الزور تمثل ركناً أساسياً في سوريا، مؤكداً أنها عانت سنوات طويلة من التهميش والحرمان خلال عهد نظام الأسد البائد رغم دورها في دعم الاقتصاد الوطني، وأضاف أن الوقت قد حان لطي تلك المرحلة، لافتاً إلى أن المحافظة قدمت تضحيات كبيرة خلال الحرب في سوريا، وأن تعافي البلاد لن يكتمل إلا باستعادة المنطقة الشرقية لدورها في التنمية والاقتصاد.

الرئيس أحمد الشرع يعلن مشاريع تنموية
أكد الرئيس أحمد الشرع، في كلمة عبر تقنية الاتصال المرئي، أن مطار دير الزور تحول من منشأة ارتبطت خلال سنوات الحرب بالقصف والعمليات العسكرية إلى بوابة تربط أبناء المحافظة بوطنهم والعالم، معلناً إطلاق خطة تنموية شاملة تشمل محافظات دير الزور والحسكة والرقة.

أوضح الرئيس أحمد الشرع أن الخطة تتضمن إنشاء مدينة صناعية كبرى للصناعات الغذائية والبتروكيميائية، بما يتيح تصدير المنتجات مباشرة من دير الزور إلى الأسواق العالمية، كما أعلن عن مشروع لإنشاء مستشفى متخصص بأمراض السرطان في المحافظة بتكلفة تقدر بنحو 21 مليون دولار، موجهاً الشكر إلى الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي وجميع الجهات التي أسهمت في إعادة تأهيل المطار وإعادته إلى الخدمة.

رمزية العودة
يجسد استئناف العمل في مطار دير الزور تحولاً لافتاً في مسيرة أحد أبرز المواقع التي ارتبطت خلال سنوات الحرب في سوريا بالعمليات العسكرية والحصار، إذ يعود المدرج الذي استقبل الطائرات الحربية لسنوات إلى استقبال طائرات الركاب، في خطوة تحمل أهمية كبيرة لأهالي دير الزور، وتتجاوز قطاع النقل لتجسد بداية مرحلة جديدة من استعادة الحياة وربط المحافظة مجدداً بمحيطها الداخلي والخارجي.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ