الثأر كجريمة: كيف يتعامل القانون مع ظاهرة اجتماعية معقّدة؟
أثارت حادثة قيام شاب يُدعى مالك العابد بقتل شاب آخر يُدعى عبد الله رمضان في مدينة الرقة جدلاً واسعاً، بعد ظهور الشاب في على ظاهرة الثأر، التي تُعد من الظواهر السلبية الموجودة في بعض المجتمعات، ومنها المجتمع السوري، والتي تؤدي إلى انتشار حالات من العنف وردود الفعل الانتقامية، بما ينعكس على مستوى الاستقرار والأمان داخل المجتمع.
كما تسهم هذه الظاهرة في خلق حالة من الخوف والقلق لدى الأفراد والأسر، وتحدّ من شعورهم بالطمأنينة في حياتهم اليومية، خاصة في ظل أي خلافات أو نزاعات قابلة للتصعيد، الأمر الذي يؤثر سلباً على الأمن المجتمعي والتماسك الاجتماعي، وفي الوقت ذاته تبرز تساؤلات حول موقف القانون من هذا النوع من القضايا وكيفية تعامله معها.
وفي هذا السياق، قالت المحامية أسماء نعسان في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن القانون السوري لا يعرّف “الثأر” كجريمة مستقلة بحد ذاتها، ولا يوجد توصيف قانوني خاص تحت هذا الاسم ضمن قانون العقوبات، موضحةً أن الثأر يُنظر إليه قانونياً على أنه دافع أو باعث لارتكاب الجريمة وليس جريمة قائمة بذاتها.
وأضافت أنه يتم تكييف الفعل وفق طبيعته القانونية؛ فإذا كان الفعل قتلاً يُطبّق عليه توصيف القتل العمد، وإذا كان إيذاءً أو تهديداً أو تحريضاً فتُطبق النصوص المتعلقة بهذه الجرائم، مشيرةً إلى أن المشرّع ينظر إلى النتيجة الجرمية نفسها لا إلى التسمية الاجتماعية المرتبطة بها.
وأشارت إلى أنه في أغلب قضايا الثأر يتم الاستناد إلى المواد المتعلقة بالقتل العمد ضمن قانون العقوبات السوري، وعلى رأسها المادة 533 التي تنص على معاقبة من يقتل إنساناً قصداً بالأشغال الشاقة المؤبدة.
ونوهت إلى أنه تُطبق المادة 535 في الحالات التي يتوافر فيها سبق الإصرار أو الترصد، وهو أمر شائع في جرائم الثأر نظراً لطبيعتها القائمة على التخطيط والانتقام المسبق، ما قد يرفع العقوبة إلى الإعدام، ولفتت إلى أنه في بعض الحالات قد تُطبق أيضاً مواد إضافية تتعلق بالاتفاق الجنائي أو التحريض أو التدخل، خاصة إذا كانت الجريمة ناتجة عن تنسيق جماعي أو ضمن سياق نزاع ممتد بين عائلات.
وذكرت أن القانون يأخذ الدافع بعين الاعتبار عند دراسة ظروف الجريمة، لكن هذا لا يعني بالضرورة اعتباره سبباً مخففاً، موضحةً أن جرائم الثأر تحديداً يُنظر فيها إلى الدافع باعتباره باعثاً انتقامياً قائماً على التخطيط والإرادة المسبقة لا مجرد ردة فعل لحظية أو غضب مفاجئ.
وأضافت أن القضاء في كثير من الحالات يعتبر الثأر ظرفاً مشدداً لا مخففاً، خاصة عندما تكون الجريمة مدبرة أو ناتجة عن نية انتقام واضحة، مشيرةً إلى أن الخلفية الاجتماعية قد تؤخذ بعين الاعتبار من الناحية الواقعية لفهم السياق لكنها لا تبرر الجريمة قانونياً، لأن حماية الحق لا تكون عبر الانتقام الفردي وإنما عبر القضاء.
وأوضحت أن القضاء يتعامل مع كل جريمة كواقعة مستقلة من الناحية القانونية حتى لو كانت جزءاً من سلسلة ثأر ممتدة بين عائلات أو أفراد، مشيرةً إلى أن وجود هذا السياق قد يدفع المحكمة إلى التشدد في العقوبات نظراً لما تشكله هذه الجرائم من تهديد للسلم الأهلي والأمن المجتمعي.
ونوهت إلى أنه في بعض الحالات، إذا ثبت وجود اتفاق أو تنظيم أو تحريض جماعي، فقد يتم تطبيق نصوص إضافية تتعلق بالاتفاق الجنائي أو التدخل أو الاشتراك الجرمي، وأفادت بأن دور القانون لا يقتصر فقط على العقوبة بعد وقوع الجريمة بل يمتد إلى الدور الوقائي أيضاً عبر فرض هيبة الدولة وتعزيز الثقة بالقضاء وتسريع الوصول إلى العدالة.
وأضافت أن كثيراً من حالات الثأر تنشأ من شعور الأفراد بأن حقهم لن يصل عبر القضاء فيلجؤون إلى الانتقام الشخصي، مشيرةً إلى أنه كلما كان القانون أكثر حضوراً وفعالية وسرعة تراجعت الحاجة الاجتماعية لفكرة الثأر.
ولفتت إلى أن للمصالحات القانونية والقضائية دوراً مهماً في احتواء النزاعات ومنع انتقالها من خلاف فردي إلى صراع ممتد بين العائلات، وأوضحت أنه لا توجد في القانون السوري نصوص مستقلة خاصة بجرائم الثأر، لكن يتم التعامل معها ضمن القواعد العامة لقانون العقوبات.
وبينت أنه في الواقع العملي غالباً ما يتم اللجوء إلى المصالحات التي تتم بإشراف القضاء أو الوجهاء أو الجهات المحلية، والتي قد تترافق مع إسقاط الحق الشخصي بهدف تهدئة النزاع ومنع تجدد العنف، موضحةً أن إسقاط الحق الشخصي لا يلغي الحق العام وإنما قد يُؤخذ كسبب تقديري لتخفيف العقوبة فقط.
وأشارت إلى أن المشكلة لا ترتبط فقط بالقانون وإنما أيضاً بمستوى الثقة بتطبيقه، موضحةً أنه حين يشعر الناس أن العدالة بطيئة أو غير قادرة على حمايتهم يبدأ البعض باللجوء إلى الأعراف الاجتماعية ومنطق الانتقام باعتباره الطريق الأسرع لاسترداد الحق.
وأضافت أن بعض البيئات العشائرية ما تزال تنظر إلى الثأر باعتباره جزءاً من مفهوم الكرامة أو الرد الاعتباري، مما يجعل الضغط الاجتماعي أحياناً أقوى من الخوف من العقوبة القانونية، لافتةً إلى أن ضعف حضور مؤسسات الدولة في بعض المناطق قد يفتح المجال أمام سلطة العرف لتأخذ مكان سلطة القانون.
وأفادت بأن الثأر لا يعيد الحق بل يخلق ضحايا جدداً ويفتح باباً دائماً للخسارة والألم، موضحةً أنه في معظم الحالات لا تنتهي جريمة الثأر عند شخص واحد وإنما تمتد آثارها إلى عائلات كاملة وأطفال ومستقبل بأكمله.
وذكرت أن اللجوء إلى القضاء ومؤسسات الصلح القانونية يبقى الطريق الوحيد الذي يحفظ الحقوق ويمنع تحول الغضب إلى دائرة دم لا تنتهي، مشيرةً إلى أن التوعية القانونية والاجتماعية ضرورية جداً خاصة لدى الشباب.
وأكدت أن دور القانونيين يجب ألا يبقى محصوراً بالتدخل بعد وقوع الجريمة، لأن معالجة النتائج وحدها لا تكفي في قضايا الثأر، موضحةً أن المطلوب هو الانتقال من منطق “رد الفعل” إلى منطق “التدخل الوقائي والاستباقي” عبر خلق تقاطع حقيقي بين القانون والمؤسسات الاجتماعية الفاعلة.
وأضافت أن الخطوة الأولى تبدأ من مأسسة لجان الصلح وإعطائها غطاءً قانونياً أوضح، مشيرةً إلى ضرورة أن يكون للمحامين دور كمستشارين قانونيين لهذه اللجان، مع توثيق صكوك الصلح رسمياً أمام الكاتب بالعدل أو المحكمة، ولفتت إلى أهمية التوعية القانونية لدى الفئة الشابة، منوهةً إلى أن كثيراً من الشباب ينظر إلى الثأر باعتباره امتداداً لفكرة الكرامة دون إدراك للتبعات القانونية والإنسانية.
وشددت على أن القانون لا يستطيع العمل بمعزل عن القوى الاجتماعية المؤثرة، وأن قناعة الوجهاء بأن سيادة القانون هي الضمان الحقيقي لحماية المجتمع أمر أساسي، ولفت إلى أن الضغط القانوني المطلوب ليس زجرياً فقط بل توعوي وحمائي يهدف إلى إعادة بناء الثقة بالقانون.
تُعتبر ظاهرة الثأر من الظواهر السلبية الموجودة في بعض المجتمعات وبعض البيئات العائلية، والتي تنعكس على مستوى الأمن والاستقرار الاجتماعي، من خلال زيادة حدة النزاعات وخلق حالة من الخوف داخل المجتمع، كما قد تؤدي إلى وقوع ضحايا وتوسيع دائرة العنف، ما يجعل الحدّ منها بحسب مختصون وقانونيون مرتبطاً بتعزيز الوعي المجتمعي وتفعيل دور القانون في معالجة هذه القضايا.