التنمر بين الطلاب.. اختصاصية نفسية توضح أسبابه وآثاره وطرق التعامل معه
تبدأ بعض حالات التنمر المدرسي بتعليقات ساخرة على مظهر أحد الطلاب أو طريقة كلامه، وقد تتطور إلى الإهانة المتكررة أو الاستبعاد من الأنشطة الجماعية أو الاعتداء الجسدي، في مواقف يبررها بعض الطلاب بأنها مجرد مزاح، رغم ما تتركه من آثار نفسية واجتماعية على زملائهم.
وتتجاوز آثار هذه السلوكيات حدود الموقف الذي يتعرض له الطالب، إذ قد تؤثر في ثقته بنفسه وعلاقاته الاجتماعية وشعوره بالأمان داخل المدرسة، وتنعكس على قدرته على التركيز والتحصيل الدراسي، خصوصاً عندما تتكرر من دون تدخل مناسب.
وفي حديث لشبكة شام الإخبارية، أوضحت الدكتورة حلا صقال، اختصاصية الصحة النفسية في جامعة باشاك شهير، أن التنمر يتخذ أشكالاً متعددة، وترتبط ممارسته بعوامل نفسية واجتماعية، مشددة على أهمية التعاون بين المدرسة والأسرة لاكتشاف الحالات مبكراً وحماية الطلاب من آثارها.
أشكال التنمر.. عندما يتحول المزاح إلى أذى
قالت صقال إن التنمر المدرسي يظهر في مواقف يومية داخل الصفوف والباحات، وقد يبدأ بإطلاق ألقاب ساخرة على أحد الطلاب أو التعليق على ملابسه وحركاته وطريقة حديثه.
وأوضحت أن التنمر اللفظي يشمل العبارات الجارحة والإهانات المتكررة، فيما يظهر التنمر الاجتماعي من خلال الاستبعاد المتعمد من الأنشطة، أو الضحك عند دخول أحد الطلاب، أو توجيه نظرات تحمل السخرية والرفض.
وأضافت أن بعض الطلاب يستخدمون عبارة «أمزح معك» لتبرير التعليقات المؤذية، رغم أن تكرار هذه التصرفات قد يسبب شعوراً بالإهانة والإحراج لدى الطالب المستهدف.
وقد يتخذ التنمر أشكالاً جسدية، مثل سحب الكرسي أثناء محاولة الطالب الجلوس، أو سلوكيات جماعية تستهدف زميلاً بعينه خلال الألعاب الرياضية والنقاشات داخل المدرسة.
وأشارت صقال إلى أهمية التمييز بين المزاح المتبادل الذي يتقبله الطرفان، والسلوك الذي يتسبب بالأذى أو الإهانة أو الإقصاء، خصوصاً عندما يتكرر ويجد الطالب المستهدف صعوبة في إيقافه.
لماذا يمارس بعض الطلاب التنمر؟
أوضحت صقال أن التنمر يرتبط بمجموعة من العوامل النفسية والاجتماعية، من بينها ضغط الأقران ورغبة بعض الطلاب في الحصول على قبول المجموعة أو إعجابها.
وقد يلجأ الطالب إلى التنمر بهدف إظهار القوة وفرض السيطرة على الآخرين، أو لتحويل الانتباه عن مشكلات شخصية، مثل ضعف الثقة بالنفس أو تدني التحصيل الدراسي.
وأضافت أن مستوى إدراك الطالب لطبيعة سلوكه يختلف من حالة إلى أخرى، فقد يمارس بعض الطلاب التنمر مع علمهم بالأذى الذي يسببونه، بينما يكرر آخرون تصرفات مؤذية من دون وعي كافٍ بعواقبها.
كما قد يسهم غياب التوجيه الأسري وضعف التربية على احترام الآخرين في استمرار هذه السلوكيات، خصوصاً عندما لا يواجه الطالب حدوداً واضحة تميز بين المزاح المقبول والإساءة.
وأكدت صقال أن فهم دوافع التنمر يساعد على اختيار أساليب التدخل المناسبة، بما يتيح معالجة السلوك المؤذي والحد من تكراره.
آثار نفسية واجتماعية تنعكس على الدراسة
حذرت صقال من أن التعرض المتكرر للتنمر قد يترك آثاراً نفسية تشمل تراجع الثقة بالنفس والشعور بالنقص والقلق والتوتر، وقد تتطور بعض الحالات إلى العزلة ومشكلات نفسية أكثر خطورة، من بينها إيذاء الذات.
وأوضحت أن الطالب الذي يتعرض للتنمر قد يبدأ بتجنب تكوين الصداقات أو المشاركة في الأنشطة المدرسية، خوفاً من السخرية أو الرفض.
كما يمكن أن تظهر آثار التنمر في تراجع التحصيل الدراسي وضعف التركيز والانتباه، نتيجة انشغال الطالب بالمواقف التي يتعرض لها وشعوره بعدم الأمان داخل المدرسة.
وقد يلجأ بعض الطلاب إلى التغيب المتكرر أو التظاهر بالمرض لتجنب الذهاب إلى المدرسة ومواجهة زملائهم.
وتبرز أهمية ملاحظة هذه التغيرات السلوكية والنفسية، خصوصاً عندما تظهر بصورة مفاجئة أو تتكرر من دون أسباب واضحة، بما يساعد الأسرة والمدرسة على اكتشاف المشكلة والتدخل لمعالجتها.
كيف يتعامل الطالب مع التنمر؟
قدمت صقال مجموعة من الإرشادات للطلاب الذين يتعرضون للتنمر، تبدأ بمحاولة التعامل مع الموقف بهدوء وتجنب الدخول في مواجهة قد تزيد حدته.
وأشارت إلى إمكانية تجاهل بعض الاستفزازات أو مغادرة المكان عندما يكون ذلك آمناً، مع وضع حدود واضحة للسلوك المؤذي باستخدام عبارات قصيرة وحازمة تطلب من الطرف الآخر التوقف.
وأكدت أهمية إبلاغ المعلم أو المرشد المدرسي أو الوالدين عند التعرض للتنمر، وعدم التردد في طلب المساعدة، خصوصاً إذا تكرر السلوك أو تضمن تهديداً أو اعتداءً.
كما نصحت الطلاب بمرافقة الأصدقاء الذين يشعرون معهم بالأمان والاحترام، والابتعاد قدر الإمكان عن المجموعات التي تمارس الإساءة أو الاستبعاد.
ويظل تدخل البالغين ضرورياً لحماية الطالب المستهدف، إذ لا ينبغي تحميله مسؤولية إيقاف التنمر بمفرده أو مطالبته بتحمل الإهانات والاعتداءات.
دور المدرسة في الوقاية والتدخل المبكر
شددت صقال على أن المدرسة تتحمل مسؤولية أساسية في توفير بيئة تعليمية آمنة، من خلال التوعية بأشكال التنمر وآثاره، وتعزيز ثقافة الاحترام بين الطلاب.
وأوضحت أن تنظيم جلسات توعوية وورش عمل يساعد الطلاب على فهم الفرق بين المزاح والتنمر، والتعرف إلى السلوكيات التي قد تسبب الأذى للآخرين.
كما أكدت أهمية تفعيل دور المرشد المدرسي في استقبال شكاوى الطلاب وتقديم الدعم النفسي والتربوي لهم، مع ضمان التعامل مع الحالات بجدية وسرية مناسبة.
وأشارت إلى ضرورة تطبيق إجراءات وعقوبات تربوية تتناسب مع طبيعة السلوك، بهدف الحد من تكراره ومساعدة الطالب الذي يمارس التنمر على إدراك أثر تصرفاته.
ويتطلب التدخل المبكر متابعة العلاقات بين الطلاب داخل الصفوف والباحات والأنشطة الجماعية، وعدم التعامل مع الإساءات المتكررة باعتبارها خلافات عابرة.
الأسرة شريك أساسي في حماية الأطفال
أكدت صقال أن دور الأسرة يبدأ ببناء علاقة قائمة على الحوار والثقة، بما يشجع الطفل على الحديث عن المشكلات التي يواجهها داخل المدرسة من دون خوف من اللوم أو التقليل من معاناته.
وأوضحت أن متابعة التغيرات في سلوك الأبناء تساعد على اكتشاف حالات التنمر، خصوصاً عند ظهور علامات القلق أو الانعزال أو رفض الذهاب إلى المدرسة.
كما شددت على أهمية تعزيز ثقة الطفل بنفسه، من خلال الاهتمام بمواهبه ومهاراته وتشجيعه على تكوين علاقات اجتماعية صحية.
ولفتت إلى ضرورة تربية الأبناء على احترام الآخرين وتقبل الاختلاف، والابتعاد عن الأساليب التسلطية في التعامل معهم داخل المنزل.
ويشمل دور الأسرة أيضاً متابعة سلوك الطفل تجاه زملائه، والتدخل عندما تظهر عليه ممارسات تنمر، بما يساعد على معالجة أسبابها ومنع استمرارها.
التعاون بين المدرسة والأسرة للحد من التنمر
يتطلب الحد من التنمر المدرسي تنسيقاً مستمراً بين المعلمين والمرشدين والأهالي، لمتابعة سلوك الطلاب والاستجابة للشكاوى قبل تفاقم المشكلة.
وتبرز أهمية توفير قنوات آمنة تتيح للطلاب الإبلاغ عن الإساءات، مع اتخاذ إجراءات تحمي المتضررين وتمنع تعرضهم لمزيد من المضايقات نتيجة تقديم الشكوى.
كما يسهم التعامل التربوي مع الطالب الذي يمارس التنمر في فهم دوافع سلوكه ومساعدته على تغييره، بالتوازي مع تقديم الدعم النفسي والاجتماعي للطالب المستهدف.
وأكدت صقال أن التوعية المستمرة وتعزيز الحوار داخل الأسرة والمدرسة يمثلان أساساً للوقاية من التنمر، وبناء علاقات قائمة على الاحترام المتبادل.
وتبقى مواجهة التنمر مسؤولية مشتركة تتطلب اكتشاف السلوكيات المؤذية مبكراً والتعامل معها بجدية، بما يضمن حق الطلاب في التعلم ضمن بيئة آمنة تحافظ على سلامتهم النفسية والاجتماعية وتساعدهم على تطوير قدراتهم التعليمية.